خريطة الموقع
السبت 20 يناير 2018م

تيار التمرد القضائي  «^»  إلا تسييس القضاء..!  «^»  200 قَاضٍ ونص هزيل  «^»  العرائض المسيّسة !  «^»  القضاء ليس حزباً سياسياً  «^»  إيهٍ أيّها القضاة  «^»  لا تلتفتوا إلى هؤلاء  «^»  إذا كان خصمك القاضي فمن تقاضي ؟!  «^»  أخيرا: 510 قضاة ينتصرون لمطالبنا القديمة!  «^»  المناكفة ضد إصلاح القضاء! جديد المقالات
أمر ملكي: يعاقب بالسجن كل من شارك في أعمال قتالية خارج المملكة أو الانتماء للتيارات أو الجماعات الدينية والفكرية المتطرفة  «^»  محافظ هيئة الاستثمار يزور مشروع الملك عبدالله لتطوير مرفق القضاء  «^»  أمر ملكي بترقية وتعيين (40) قاضياً بوزارة العدل  «^»  فتح مكتب لخدمة أصحاب الفضيلة القضاة  «^»  اجتماع تنسيقي لتهيئة محاكم الاستئناف بالمملكة لتطبيق نظامي المرافعات الشرعية والإجراءات الجزائية  «^»  التصريح الصحفي بشأن جدول أعمال الاجتماع السادس  «^»  بمشاركة عدد من القضاة.. وزارة العدل تنظم برنامج في القضاء الجماعي  «^»  الشورى: آراء الأعضاء في وسائل الإعلام لا تعبر بالضرورة عن رأي المجلس  «^»  حملة تصحيحية لضبط العمل القضائي في السعودية تقاوم بمعترضي مشروع الإصلاح والتطوير  «^»  معاناة المرأة السعودية داخل المحاكم .. بين تأجيل الجلسات ومماطلة الأزواج جديد الأخبار


المقالات
زاوية : الباحث نواف القديمي
هامش الحرية وهوامش أخيرة

نواف القديمي


هامش الحرية .. وهوامش أخيرة


نواف القديمي



ثمة نصوص واضحة تدل على علنية إطلاق المنافقين لأقوالهم وأفعالهم، وأن الرسول عفا عنهم بدافع المصلحة .. فهل المصلحة هي مدار إقامة الحدود؟!

إذا أصر الإخوة على تشريع مبدأ الأخذ باللازم .. فلكلامهم حول (المصلحة) لوازم شنيعة، كما للقول بترك المنافقين لوزام شنيعة!!

لا أدري كيف تكون الاستعارة في نقل نصوص قرآنية يمكن أن تتوفر بضغطة زر!! .. ولماذا تجاوز الصديق ابراهيم أن 80% من مساحة المقال الأخير كانت نقاشاً أصولياً حول المصلحة والنسخ ومقامات النبي التشريعية وغير التشريعية وطرق الاستنباط ودلالات الألفاظ والعام والخاص واللوازم بل وحتى أسباب النزول وسواها. وكلها خارج سياق سرد النصوص!!

ليتك ياصديقي تُهدئ من ثورة مدافعك التي لم تكد تدع أحداً من أهل الخير إلا وأصابته بنيران التشكيك والتأليب والتشويه واتهام النيات والطعن في المقاصد .. ولا حول ولا قوة إلا بالله.

بقلم: نواف القديمي


أكتب هذا التعليق الأخير حول موضوع هامش الحرية بمجتمع المدينة في صالة انتظار بأحد المطارات خارج المملكة .. وأنا إذ أمهد بذلك لأود أن يتجاوز الإخوة بعض العجلة في الصياغة التي قد ترد في بعض المقاطع التي أضفتها الآن .. ويتضمن هذا التعليق أيضاً بعض النقاط التي أتيت على ذكرها في مقالي السابق (هامش الحرية .. والورطة أمام النص الشرعي) مع بعض الاختصار من جهة وبعض الإضافات من جهة أخرى ، وأرى أن الإخوة الأفاضل تجاوزوا نقاشها والتعليق عليها.

سأحاول فيما يلي مناقشة أبرز الاعتراضات التي ساقها الإخوة في تفسير هذه الآيات:

1 ـ أن أقوال المنافقين هذه كانت تُقال في السر:

وقد يبدو بوضوح غرابة هذا الاعتراض، لأن الآيات أتت واضحة جلية في تصريح المنافقين بأقوالهم وأفعالهم بالعلن أمام المؤمنين.

ـ لا أدري كيف تكون بالسر والله عزوجل يُصدر توجيهه القرآني المباشر للمؤمنين:

(وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آَيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا).

كيف يكون بالسر، والله عزوجل يقول للمؤمنين (إِذَا سَمِعْتُمْ آَيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا)، ومع ذلك ما هو التوجيه القرآني للتعامل معهم: (فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ).

حسناً .. هل هذا يعني الامتناع عن مجالستهم على مدى الزمن؟ .. يقول الله عز وجل:

(حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ)

ـ كيف يكون بالسر والمنافقون انسحبوا علناً بثلث جيش أحد!! وعادوا إلى المدينة، ومع ذلك لم يتخذ رسول الله عليه الصلاة والسلام إجراءً عقابياً تجاههم.

ـ كيف يكون بالسر، والمنافقون يقولون للمؤمنين علناً:
(يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأعَزُّ مِنْهَا الأذَلَّ).

ـ كيف يكون بالسر والرجل الذي أتى إلى الرسول عليه الصلاة والسلام قال له علناً وبمسمع من الرسول والصحابة (اعدل يا محمد فإنك لم تعدل، وإن هذه القسمة ما أريد بها وجه الله!).

ـ كيف يكون بالسر والله عزوجل اثبت قول من استهزأ بالصحابة علناً في غزوة تبوك في السنة التاسعة للهجرة ، وأثبت الله كفره من فوق سبع سماوات: (قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ لاَ تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ).

ـ ثم أن جميع الإخوة المعلقين احتجوا بقوله عليه الصلاة والسلام (حتى لا يقولوا أن محمداً يقتل أصحابه) كي يُثبتوا أن ثمة عقوبة دنيوية ثابتة ، وأن الرسول قد عفا عنهم للمصلحة .. وهذا الحديث يثبت دون شك أن هذه الأقوال قيلت (علناً) وبحضرة الرسول عليه الصلاة والسلام ، وأنها استوجبت العقوبة ، وأن الرسول مع ذلك عفا عنهم .. أي هي إثبات إضافي للعلنية.

2 ـ أن هذه الآيات منسوخة:

مع أن وقوع النسخ بحاجة إلى دليل بيّن يُعادل دليل ثبوت الحكم قبل النسخ ـ ولم يقدم من ادعى النسخ دليلاً ـ .. ورغم أن فكرة وقوع النسخ أوردها الأخ عبداللطيف التويجري، وفي نفس الوقت خَرّج مسألة عدم إقامة الحد عليهم بدعوى المصلحة، وهنا موطن تعارض، لأن الأحكام التي تُبنى على المصلحة لا يدخلها النسخ، فإما التخريج بالمصلحة أو بالنسخ .. ومع ذلك دعونا نناقش اعتراض النسخ باعتبار احتمالية وقوعه:

ـ كيف تكون هذه الآيات منسوخة وقد نزل بعضها في آخر عهد الرسالة؟! كما في القصة التي ذكرتها قبل قليل ورواها ابن عمر أن رجلاً استهزأ بالصحابة في غزوة تبوك في السنة التاسعة للهجرة ـ أي بعد فتح مكة بعام ـ فأنزل الله فيه قوله: (قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ لاَ تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ).

وهنا إثبات صريح بأن هذا الرجل قد (كفر بعد إيمانه).. ثم ماذا؟ .. ثم لم يُجرِ الرسول عليه أي عقاب دنيوي بعد ذلك.

ـ وكيف تكون هذا الآيات منسوخة وكثير منها جاء في سورة التوبة التي كانت آخر سورة نزلت على رسول الله عليه الصلاة والسلام في المدينة، كما روى البخاري عن البراء بن عازب (أن آخر سورة نزلت سورة براءة)؟

ـ وكيف تكون هذه الآيات منسوخة وقد عمل بمقتضاها الرسول عليه الصلاة والسلام حتى وفاته .. فلم يقتل منافقاً، بل لم يُجرِ عقاباً دنيوياً على منافق؟

3 ـ أن الرسول عفا عنهم لأن ذلك شأن شخصي:

وهذا المَخرج التفسيري أورده الصديق فهد العجلان .. وهو يثير الاستغراب بحق .. كيف استطاع تحويل الموضوع من (إعلان للكفر) و (طعن في الدين) و (سب للرسول) و (سب الصحابة ولمزهم) و (خذلان للمؤمنين بانسحاب ثلث جيش أحد) .. تحويل كل هذا الأفعال الكفرية وجعلها أشبه بـ (تعدٍ شخصي) على الرسول عليه الصلاة والسلام، وأن الرسول أسقط حقه الشخصي وعفا عنهم؟!

كيف يمكن أن نفهم عفو الرسول عن المنافقين بعد انسحابهم بثلث جيش أحد (وهو فعل يُعد خيانة عظمى في كل الأديان والقوانين)، وهل فعلهم هذا هو شأن شخصي يمس الرسول فقط؟!

وكيف يمكن أن نفهم التوجيه القرآن للصحابة (أن إِذَا سَمِعْتُمْ آَيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ) .. فهل الكفر بآيات الله والاستهزاء بها شأن شخصي؟!

وهل قولهم للصحابة: (وَقَالُوا لا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ)، ولمزهم لهم: (الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ) وتهديدهم بطرد المهاجرين: (يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأعَزُّ مِنْهَا الأذَلَّ) وسوى ذلك أقوال وأفعال عديدة أثبتها الله عزوجل بقرآن يتلى إلى يوم الدين، أن كل ذلك كان شأناً شخصياً يمس الرسول وحده؟!

أم أن الأخ العجلان يُلمح إلى أن عفو الرسول عن المنافقين جاء في سياق (غير تشريعي)، أي على مذهب شهاب الدين القرافي المالكي ـ وغيره ـ في هذه المسألة التي أوردها في كتابيّ الفروق والإحكام وسواهما؟! .. وهو أمر يفتح الباب على مصراعيه للحديث عن ضوابط التفريق بين السنة التشريعية والسنة غير التشريعية.

4 ـ أنه تم إيقاف تطبيق الحكم الشرعي لمصلحة سمعة المسلمين (حتى لا يقولوا أن محمداً يقتل أصحابه):

وهذا التفسير لعفو الرسول عليه الصلاة والسلام عن المنافقين الذين ينطقون علناً بالكفر الصريح، يستدعي بعض التفصيل:

ـ أولاً: هذا الحديث ورد في عدد من كتب الصحاح بسياق حادثتين اثنتين فقط.. الأولى كانت في غزوة بني المُصطلق حين قال عبدالله بن أبيّ: (لئن رجعنا إلى المدينة ليُخرجن الأعز منها الأذل)، وكان ذلك في السنة السادسة للهجرة، حيث قويت شوكة الإسلام، وبدأ المسلمون بغزو قريش بعد أن كانوا يُغزون من قريش: (لن تغزونا قريش بعدها ـ أي الخندق في السنة الخامسة ـ أبداً بل نغزوهم).. والثانية كانت في الجعرانة بعد غزوة حنين ـ أي بعد فتح مكة ـ حين قدم رجل للرسول عليه الصلاة والسلام وقال له (اعدل يا محمد)، وكانت دولة الإسلام في ذلك الوقت هي الأكثر قوة وشوكة بجزيرة العرب، حيث قام المسلمون بعد هذه الحادثة بشهور بالسير لمقاتلة الروم في تبوك.

فهل هذا النص (حتى لا يقولوا أن محمداً يقتل أصحابه) هو خاص بحسب حادثة وروده .. أم هو نص (عام) يشمل جميع المنافقين، حتى أولئك المستضعفين الذين لن يكون لعقابهم أي تبِعات على المجتمع المسلم؟

ثم لماذا لم يَرِد عن الرسول عليه الصلاة والسلام أي استشهاد آخر في ذات السياق (حتى لا يقولوا محمداً يقتل أصحابه) لتفسير عفوه عن المنافقين الذين أعلنوا أقوالاً كفرية في مناسبات أخرى عديدة؟!، خاصة أن هذا الحديث الذي ورد بعد غزوة بني المصطلق في السنة السادسة للهجرة وبعد غزوة حنين في السنة الثامنة للهجرة، كان قد سبقه المنافقون بأقوال وأفعال كفرية (كانسحابهم بثلث جيش أحد في السنة الثالثة للهجرة، وسواها)، ولم يُقم الرسول عليهم أي عقابٍ دنيوي، وفي نفس الوقت لم يُطلق عليه الصلاة والسلام هذا التفسير (حتى لا يقولوا أن محمداً يقتل أصحابه) لعفوه عنهم؟!

وكذلك أعلن المنافقون أقوالاً كفرية بعد هاتين الحادثتين وإلى قبيل وفاته عليه الصلاة والسلام (كما في قصة من استهزأ بالصحابة بغزوة تبوك في السنة التاسعة للهجرة، ونزل فيهم القرآن: لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم)، ومع ذلك لم يُفسر الرسول عليه الصلاة والسلام عدم قتله لهم بذات السبب (حتى لا يقولوا أن محمداً يقتل أصحابه).

ـ ثانياً: في حال كان هذا الحكم الذي أطلقه الرسول عليه الصلاة والسلام (عدم قتل المنافقين حفاظاً على سُمعة الإسلام) حكماً عاماً يطال جميع المنافقين منذ بداية دولة المدينة وحتى وفاته عليه الصلاة والسلام، أي ليس حكماً خاصاً .. ألا يُشير هذا إلى أن الحكم الشرعي ـ قتل من ينطق بأقوال كفرية ـ قد تم (إلغاؤه) أو (تعطيله) أو (إيقافه) بناء على أمر (مصلحي محض) لا يدخل في دائرة (الضرورات)، بل هو أقرب إلى دائرة (الحاجيات وربما التحسينات) التي تتمثل في الحفاظ على سُمعة الإسلام في مرحلة كان فيها الإسلام قوياً ومُهيمناً على غالب جزيرة العرب وبدأ بقتال الروم.

فهل هذا يعني أن (مصلحة) الحفاظ على سُمعة المسلمين بما لا يدخل في إطار (الضرورة) يمكن لها أن تقوم بـ (إلغاء، أو تعطيل، أو إيقاف) الحكم الشرعي؟ .. أي هي تدخل في مساحة السياسة الشرعية؟ ..

وهل يجري هذا وفق مذهب الطوفي الحنبلي في المصلحة؟!، أم وفق المدرسة المقاصدية التي نشأت مع الغزالي والجويني وتبلورت مع الشاطبي؟ خاصة أن الرسول عليه الصلاة والسلام استخدم ذات المعنى (الحِفاظ على سمعة الإسلام) في سياقات أخرى غير قتل المنافقين، وذلك في آخر عهده وبعد فتح مكة ـ وكان الإسلام في قوة ومنعة ـ وذلك في حديثه إلى عائشة رضي الله عنها في الحديث الذي رواه الإمام مسلم (لولا أن قومك حديثو عهد بجاهلية لأنفقت كنز الكعبة في سبيل الله)، وكما ورد أيضاً في صحيح الجامع (لولا أن قومك حديثو عهد بجاهلية لأمرت بالبيت فهدم)، وخاصة أيضاً أن الرسول عليه الصلاة والسلام أقدم على كثير من الخطوات الشجاعة في فترات لم تكن فيها الدولة المسلمة بتلك المنعة والقوة، كقتاله وقتله لسادات العرب من قريش، وكقتله لكل البالغين من يهود بني قريظة بالمدينة بعد خيانتهم للمسلمين في غزوة الخندق في السنة الخامسة للهجرة، وهو موقف يدل على قوة وبأس في مواجهة الخصوم.

ويشير في الوقت ذاته إلى أن قوله عليه الصلاة والسلام (حتى لا يقولوا أن محمداً يقتل أصحابه) بعد عام من حادثة قتله ليهود بني قريظة وأيضاً بعد الفتح في حُنين، أن هذا القول لم يكن ينطوي على خشية أمنية أو سياسية، بقدر ما كان خشية على سُمعة الدعوة والدولة المسلمة من أن يطالها بعض التشويه.

ثم إذا كان الحكم بـ (قتل من نطق بالكفر) هو حد من حدود الشريعة، فهل يسوغ لـ (مصلحة دون الضرورة) أن تُلغي حداً والرسول عليه الصلاة والسلام عظّم من أمر إسقاط الحد كما في حديثه لأسامة بن زيد الذي روته عائشة رضي الله عنها وورد في صحيح البخاري (أتشفع في حد من حدود الله (...) وايم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها). أم أن مدار تطبيق الحدود قائمٌ أيضاً على المصلحة؟!

ـ ذكر الصديق فهد العجلان في تعقيبه على مقالي الثاني النص التالي: (والحقيقة أن أبا أحمد قد أخذ بجزءٍ من جوابي وترك بقيته، فأنا ذكرت ـ يقصد نطق المنافقين بالكفر ـ أنّ منها ما هو حقّ شخصي، ومنها ما هو جريمة قد عفا عنها النبي صلى الله عليه وسلم، فبعضها حقٌّ شخصيٌّ عفا عنه، وبعضها جريمةٌ يرجع لولي الأمر تحديد العقوبة المناسبة لها ويجوز له شرعاً أن يعفو عنها إن رأى المصلحة في ذلك)
والعجلان بهذا الكلام يقرر صراحة أن لولي الأمر إلغاء الحد إذا رأى في ذلك مصلحة.
ولكنه بعد ذلك حاول استدرك هذا الكلام في خانة التعليقات على نفس المقال ، الذي يشير صراحة إلى أن المصلحة هي مدار تطبيق الحكم استناداً إلى قوله عليه الصلاة والسلام (حتى لا يقولوا أن محمداً يقتل أصحابه) ، حيث بالتفريق بين تطبيق الحكم على من نطق بقول كفري قبل حديث (من بدل دينه فاقتلوه) حيث كانت العقوبة من الأحكام التعزيرية التي يجوز للإمام رفعها للمصلحة ، وبعد صدور الحديث ، حيث صار الحكم (حداً) لا يجوز أن يُلغى تحت مبرر (المصلحة) .. ولكنه لم يُشر إلى توقيت صدور هذا الحديث الذي يرى أنه قام بنسخ الحكم السابق ونقله من خانة (التعزير) إلى خانة (الحد) .. خاصة أن ما ورد عن الرسول في تبريره لعدم قتل من نطق بالكفر (حتى لا يقولوا أن محمداً يقتل أصحابه) كان في أُخريات عهده عليه الصلاة والسلام .. فقد ورد هذا الحديث كما ذكرت في الجعرانة بعد غزوة حُنين ، أي بعد فتح مكة ، وفي وقت كان الإسلام في أقوى حالاته .. أيضاً فإن ما صدر من الرجل الذي استهزأ بالصحابة في غزوة تبوك ونزلت فيه الآية: (قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ لاَ تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ) ، كان ذلك في السنة التاسعة للهجرة ، بعدما سيطر المسلمون على الجزيرة العربية واتجهوا لغزو الروم ، ومع ذلك لم يُقم عليه الرسول عليه الصلاة والسلام الحد ولم يقتله .. فأين دليل الأخ العزيز فهد العجلان على ورود الحديث بعد هاتين الحادثتين ، وأنه نسخ حكم العفو ونقل الحكم من التعزير إلى الحد .. خاصة أن الرسول عليه الصلاة والسلام لم يقتل منافقاً حتى وفاته.


5 ـ أن القرآن فضح المنافقين:

ولا أدري لم كرر الإخوة التأكيد على أن القرآن فضح المنافقين!! وقاموا بسرد الآيات التي تؤكد هذا المعنى وكأنها مسألة خاضعة للخلاف!! .. مع أن موضوع الحوار الذي يرتكز على نقطة واحدة مفادها (عدم اتخاذ عقاب دنيوي على المنافقين الذين قاموا بأفعال أو نطقوا بأقوال كفرية) .. أما فضحهم فقد وردت عشرات الآيات التي تفضح أفعال المنافقين وأقوالهم ـ لا أسماءهم ـ وتعِدهم بأشد العقاب يوم القيامة .. بل إن هذه الآيات تُشير بوضوح إلى أن القرآن لم ينشغل بمُلاحقة أعيانهم، بل اكتفى بالتحذير من أقوالهم وأفعالهم.

ـ تعقيبات ..

فيما يلي سأحاول التعقيب على بعض الإشارات التي أوردها الإخوة حول هذا الموضوع:

ـ ما موقع (النفاق) إذا كان مسموحاً لهؤلاء المنافقين التصريح بكفرهم؟

بالطبع لا تنفي الآيات السابقة أن أصل التعامل مع المنافقين قائم على مبدأ (إظهار الإسلام) وإقامة أركانه التي لا يستقيم إسلام امرئ إلا بها، وإلا لما عُدُّوا ابتداءً من المسلمين، ولما شملتهم أحكام الإسلام، ولَعُدُوا من أهل الكفر وشملتهم أحكام الكفار .. لذلك كان المنافقون يخفون أصل الكفر، ويعلنون أصل الإسلام .. ولكن مع هذا الإطار العام لما هو (مخفي) وما هو (مُعلن)، كانت تصدر منهم أقوال وأفعال كفرية ـ وأيضاً ما هو دون الكفر ـ أثبت القرآن بآيات تُتلى إلى يوم الدين أنهم نطقوا بها علناً أمام المؤمنين.

ـ هل تريد أن نسمح بنشر الكفر في المجتمع المسلم؟

أظنني أوضحت سابقاً إلى أنني لا أقصد بالطبع هذا المعنى .. فأنا لم أقل في مقالي: لنسمح بنشر الكفر في المجتمع المسلم!! .. بل كنت أشرت سابقاً في غير موضع إلى أهمية تشريع قوانين تمنع المسّ بعقائد الناس أو التجريح بمقدساتهم .. وذكرت بوضوح في كتابي (أشواق الحرية) أن المجتمع المسلم ـ الذي يملك القرار ـ يجب أن يضع ضوابط وقوانين لسقف الحرية المُتاح في المجتمع، ويجب أن يمنع أي تعدٍ أو إساءة إلى المقدسات والعقائد، لأنه في حال سُمح لمن يُريد المسّ بمقدسات الأمة، فسيكون هذا الأمر هو المدخل الأكبر للفتنة وتفرقة المجتمع وإثارة العصبيات وربما قيام الحروب الطائفية والدينية.

ولكنني حين تحدثت وأتحدث عن وجوب منع الإساءة إلى العقائد والمقدسات، فأنا هنا لست في إطار تحديد الموقف العقابي الذي أقرته الشريعة لمن أساء إلى هذه العقائد والمقدسات، بل كنت في إطار تحديد ما يدور في إطار قوانين الدولة التي تحفظ المجتمع المسلم من الفتنة والتفرّق.

تكرار الاستدلال باللازم!!

بعد سلسلة الردود الأولى على المقال ، ومن ثم تعقيبي ، ثم رد الصديق فهد العجلان ، لم يزد الأمر عن ترداد اللوازم .. حتى باتت غالب المقالات أشبه بمجموعة من الإلزامات المتوالية ، مع أن أشهر قاعدة أصولية هي أن (لازم القول ليس بلازم) .. وقد كرر الإخوة سؤالاً في مقالاتهم ، وأعاد الصديق فهد العجلان تكراره مرة أخرى في مقاله الأخير، ومفاده: هل تريد أن نسمح بشتم الرسول في المجتمع المسلم؟
ورغم أنني أجبت عن ذلك بشكل واضح في مقالي الأخير وقلت : لا ، لا أسمح بذلك ، بل وأطالب بمنع الإساءة للأديان والعقائد .. إلا أنه اعتبر هذا القول مني بمثابة التناقض مع أصل فكرة المقال .. مع أنني لا أرى تعارضاً بين أمرين.. الأول: بحثي عن المنهج الشرعي في التعامل مع المتجاوزين على الثوابت علناً ، مُستلهماً في ذلك ما ورد في سياق سيرة الرسول عليه الصلاة والسلام مع المنافقين التي أثبتتها السنة وذكرها القرآن .. وبين دعوتي لمنع التجاوز بدوافع مصلحيّة لأن فيها فتح لأبواب الفتنة على مصراعيها.
وهنا يأتي السؤال: ماذا لو كانت هذه المقولات المتجاوزة للثوابت هامشية ولا تأثير حقيقي لها على المجتمع ولم يسمع بها إلا أفراد محدودون .. أي هي لا تُثير الفتنة في المجتمع .. فهل المنهج الشرعي هو (الإعراض) الذي ورد في القرآن وأثبتته السنة .. أم إقامة للحد الشرعي مع ما يترتب عليه من إثارة للرأي العام وتشويهاً لصورة الإسلام؟

أظن أن التفريق كان واضحاً ولا يستدعي مزيد توضيح.

وهنا سيأتي بعض الإخوة ليقول: أنت تريد أن تمنع بـ (المصلحة) شيئاً تسمح به الشريعة؟!
وهنا أقول لهم: أنا أريد أن أمنع بـ (المصلحة) شيئاً يثير الفتنة في المجتمع المسلم ، ومنع هذا الأمر هو من أهم مقاصد الشريعة . ولكن في حال لم يكن هذا التجاوز مثيراً للفتنة ولم يترتب عليه شر للمجتمع فالأصل هو الإعراض .. ولكن في المقابل أنتم تثبتون من جانب (العقوبة والحد) على المتجاوز للثوابت ، ومع ذلك ترون السماح بإلغاء الحد تحت مبرر (المصلحة)! ، استناداً إلى في فعل الرسول عليه الصلاة والسلام حين قال (حتى لا يقولوا أن محمداً يقتل أصحابه)!!

ثم إن فكرة (تعداد اللوازم) يمكن أن يقوم بها كلا الطرفين .. فإذا كان الإخوة يرون أنه يلزم من كلامي لوازم (شنيعة) كما ذكر البعض نصاً .. فهم أيضاً يلزم من كلامهم حول (المصلحة) لوازم شنيعة .. لأنهم يرون أن الرسول عليه الصلاة والسلام قد عفا عن المنافقين وأسقط الحد الشرعي على من نطق بالكفر لسبب (مصلحي) لم يصل إلى مستوى الضرورة .. فلازم هذا القول هو أن نجعل المصلحة هي مدار تطبيق الحدود والأحكام والشعائر!! .. ويعني هذا القول أننا يمكن أن نلغي تطبيق جميع الحدود الشرعية (القصاص ، قطع اليد ، حد الردة ، عقوبة الزنا والقذف ....الخ) وحتى الأحكام والشعائر لمجرد توفر مصلحة مُتحققة في ذلك!! .. وهو لازم أظن أن الإخوة يدركون خطورته .. وأجزم أنهم لا يقصدونه .. مع أنه لازم لا ينفك عن القول الذي التزموه .. فهم وفق منطقهم وأخذهم باللازم سيكونون حينئذٍ بين خيارين .. إما أن يرفضوا مبدأ إيقاف الحد لأسبابٍ مصلحية ، وهنا سيقعون أمام مُصادمة واضحة للنص (حتى لا يقولوا أن محمداً يقتل أصحابه) .. وإما أن يقبلوا بهذا النص بكل لوازمه.


مغزى الاستشهاد..

ما الهدف الذي قصدته من مقالي السابق وكنتُ أحسبه واضحاً، وإن لم يكن كذلك عند البعض؟

كان مغزى الاستشهاد في مقالي السابق يرتكز على أمرين:

الأول: هو المقارنة من جهة بين فعل الرسول عليه الصلاة والسلام مع المنافقين الذين قاموا بأفعال ونطقوا بأقوال كفرية صريحة بنص القرآن .. وبين ما يريد أن يقرره بعضهم اليوم تجاه بعض المتأولين ـ وبعضهم من أهل الخير والدعوة ـ الذين نطقوا بأقوال موهمة هي في أقصى حمولاتها التفسيرية لا تصل لمرحلة الكفر الصريح .. أي ما يعتبره الأصوليون داخلاً في إطار قياس الأولى.

أي،،

كيف يتعامل بعض طلبة العلم مع بعض المتأولين الذين يمكن أن نجد لكلامهم محملاً تفسيرياً حسناً؟! وكيف يقومون بمطاردة نصوصهم التي ربما لا تخرج عن إطار الاجتهاد أو ربما الغموض الذي يستدعي الإيضاح؟! وكيف يطالبون بطردهم وربما امتحان عقائدهم وربما تكفيرهم والدعوة إلى قلتهم؟!

ومقارنة ذلك كله مع ما كان يفعله الرسول عليه الصلاة والسلام مع المنافقين الذين نطقوا بالكفر الصريح ـ بنص القرآن ـ وغدروا وخانوا المسلمين في غزوة أحد، ومع ذلك لم يجرِ الرسول عليهم عقاباً دنيوياً.

الثاني: أيضاً يدور في إطار (قياس الأولى) .. ففي حال حرص الرسول عليه الصلاة والسلام على (سُمعة الإسلام) في مجتمع كان يتصف بالتالي: أن دولة المسلمين كانت قوية ومهيمنة على جزيرة العرب وبدأت بمقاتلة الروم.

أن المجتمع كان بدائياً من ناحية وسائل الاتصال، فلو عاقب الرسول عليه الصلاة والسلام منافقاً أو قام بقتل منافق، فبالطبع لن يصل خبر هذا الفعل سوى إلى مساحة جغرافية محدودة، عن طريق اللقاء الجسدي المباشر.

ومقارنة هذا الوضع مع أوضاع مجتمعاتنا الحالية التي تتصف بالتالي:

ضعف دول الإسلام والهيمنة السياسية والعسكرية والثقافية والإعلامية للدول الكافرة.

الحضور الطاغي لوسائل الإعلام، بحيث لن يتجاوز الأمر في حال صدور أي فتوى تهدف إلى القتل أو الطرد وما شابه ذلك سوى دقائق معدودة إلا وصار العالم أجمع يسمع بها (وبأسلوب مشوه لأنه فعلٌ يُخالف ثقافة تلك الوسائل) عبر وسائل الإعلام بأذرعتها الممتدة في كل بيت وشارع في العالم.

أي،،

أن التعامل مع المنافقين في مُجتمع المدينة، وإسكاتهم، وإيقاف كفرهم وضلالهم، كان أيسر بكثير مما يمكن أن يستطيعه أي نِظام سياسي اليوم تجاه المُختلفين سياسيّاً وفكريّاً في مُجتمع العولمة، والإعلام المفتوح، والفضائيات، والإنترنت، وتدفق الأفكار والأخبار والصور. بحيث تعجز حتى أكثر الدول صرامة وسطوة من إيقاف هذا السيل الهادر من الأفكار والمعلومات. فكيف يستطيع المجتمع المسلم اليوم منع أحد من الحديث بعد أن لم يعد ثمة فرق عملي ـ من ناحية سرعة الوصول ـ بين من يتحدث وهو مستلقٍ على شاطئ جزر الكناري، ومن يتحدث معك في غُرفة نومك؟!

أضف إلى ذلك ما يمكن أن تحدثه الفتاوى المُطالبة بالقتل أو الطرد من أثر سلبي على سمعة الإسلام في العالم أجمع.


* * * *

في ختام هذه المداخلة أكرر أنني لست هنا في موضع إجراء بحث تفصيلي حول موضوع الضوابط والحدود والمعايير التي تُنظِِّم مسألة حرية التعبير في الإسلام ـ وربما أفعل ذلك مستقبلاً ـ .. وإنما هو حوار حول مبحث شرعي يدور في إطار (الإجراءات العِقابية) لمن يتجاوز الشريعة أو يُعلن أقوالاً كفرية.

لذلك أتمنى من الإخوة الكرام نقاش هذا الموضوع باعتباره مبحثاً علمياً يستحق مزيداً من البحث والتأمل في دلالات النصوص ومراد الشارع .. بل إنه لا مشكلة في اعتبار هذه المادة مجرد تساؤلٍ من طالب علم متواضع لشيوخ أفاضل في حلقة شرعية .. لذا فعلى الإخوة المُغرمين بإثارة الغبار والاستعانة بقواميس التشنيع والإرهاب الفكري أن يتسلوا بأمور أخرى بعيداً عما نريده من نقاش علمي حول الموضوع.


قصة الاستعارة!

كنت قد آليت على نفسي ألا أعلّق على مقال أو دراسة للصديق العزيز ابراهيم السكران بعد تعليقي على بحثه (مآلات الخطاب المدني) .. وقد ذكرت له هذا الأمر مباشرة .. وذلك بهدف عدم الدخول معه في منطقة ردود قد تخدش العلاقة الودودة بيننا .. بل لا أخفي أنني لم أقرأ له شيئاً منذ أزيد من ستة أشهر .. اللهم إلا نقولاتٍ قد يقع نظري عليها بشكل عارض وفي غير مظانها .. وذلك حتى لا أتحفز يوماً للرد على شيء كتبه.

وهذا بالطبع لا يتعارض مع كوني أحفل بالحوار حول موضوعات قد يقع بعضها في منطقة تشابك مع بعض طلبة العلم ، بل أنا أسعد كثيراً بهذه الحوارات العلمية الهادئة ، وأستفيد مما يكتبه الإخوة المُخالفون ربما بأكثر مما يكتبه الموافقون ، ومع ذلك تبقى الصداقة الودودة مع بعض هؤلاء الإخوة بأفضل حالاتها ، كما في حواري مع الصديق الخلوق فهد العجلان الذي لم أقع له يوماً على كلمة فيها إساءة لأحد أو طعن في النيات ـ حتى مع اللذين لا يعرفهم ، بل وحتى مع من يعتبرهم خارج دائرة الإسلام ـ، وهو نموذج لطالب العلم الذي وإن اختلفت معه لا تملك إلا أن تحترمه.

ما كنت أخشاه فقط أن الحوار مع الصديق ابراهيم السكران ربما لا يمكنه المحافظة على هذا القدر من التسامي الحواري ، وأنا أرى صديقي العزيز لا يفتأ يُشغل مساحة واسعة من مقالاته بأوصاف تبدأ بالإغلاظ والعنف والتشنيع والتخطير وتشويه المُقابل ، ولا تنتهي باتهام النيات والطعن في المقاصد وتحليل النفسيات وربما منح مخالفيه البطاقات الحمراء لطردهم خارج دائرة أهل السنة والجماعة التي لا أدري من بقي بداخلها!!

لذلك لا أخفي أن شعوراً بالألم تسرب بداخلي حين كسرتُ القاعدة السابقة وقرأت ـ مضطراً ـ مقال الصديق ابراهيم الأخير حول حرية المنافقين .. لأنني شعرت أن ثمة توتراً شخصياً لا أدري ما سببه .. حتى أنه خصص مساحة واسعة مقاله الطويل للحديث حول جزئية تحمل كماً من الإسقاطات الشخصية التي لا علاقة لها بصلب الحوار.

وعموماً أنا لا أرغب هنا في مناقشة كل ما ذكر .. وغفر الله لي إن كنت أسأت .. وغفر لأخي ابراهيم إن كان أساء.

لكنني أود الإشارة فقط إلى ما ذكره أخي العزيز حول جزئية أنني استعرت من الباحث سعيد الكثيري أو زائر الوسطية تلك النصوص القرآنية التي أوردتها في عدة مواضع .. وبصراحة لم أكن أتوقع أن يصلني إيراد كهذا من أحد .. ذلك أن النصوص التي نقلتها هي نصوص قرآنية يقرأها المسلمون منذ بدء الإسلام .. وليست آراء خاصة حتى يصف أخي ابراهيم هذا الفعل بالاستعارة! .. وما فتئ الباحثون يأخذون الأقوال والأدلة مما يسمونه (المصادر الوسيطة) دون أي حرج بحثي .. أي وبإيضاح شديد .. هل ثمة تثريب على باحثٍ إذا ما وجد في كتاب معاصر حديثاً منسوباً للبخاري ، وقام بالتأكد من صحة نسبته ، ثم ذكر هذا الحديث في بحث له منسوباً للبخاري دون الإشارة إلى المصدر الوسيط؟! .. الإجابة وباختصار أيضاً: كل الباحثين يفعلون ذلك .. حيث لا يفتأ الباحثون الاستفادة من الإحالات والنصوص والشواهد ومقولات العلماء بعد التأكد من نسبتها دون الإشارة إلى المصدر الوسيط .. خاصة إذا كانت هذه النصوص مُتاحة في مظانها ومتوفرة بمصادر شهيرة وليست نصوصاً نادرة وغريبة .. وهل ثمة أكثر شهرة من القرآن في هذا المجال!!

ولا أدري هل يرى الصديق ابراهيم أن ثمة صعوبة في الحصول على هذه النصوص ـ وأي نصوص أخرى من القرآن أو السنة أو الأحكام أو أقوال الأئمة ....الخ ـ مع أن الأمر لم يعد يحتاج إلى أكثر من ضغطة زر!! وهو شيخ من يفعلون ذلك .. بل باتت حتى النصوص النادرة من العلم المبذول لأي باحث.

ومع ذلك ، فلا ضير أن أزيده علماً بأنني قبل نشري لهذه النصوص في كتاب أشواق الحرية استأذنت زائر الوسطية في مراسلة بريدية بيني وبينه بأن أستفيد من جزء يسير من ترتيبه لهذه النصوص التي ذكرها بتفصيل طويل جداً ومختلف .. وبعد ذلك قمت فيما كتبته بإضافة العديد من النصوص الأخرى والشواهد من القرآن والسنة وأقوال العلماء .. بل إن مساحة سرد النصوص لم تأخذ في مقالي الأخير أكثر من 20% من مجمل مساحة المقال الأخير ، وبقي الجزء الأكبر منه متجاوزاً لمسألة سرد النصوص ، وصار يدور في إطار علوم الأصول والمقاصد وحول مباحث المصلحة والنسخ ومقامات النبي التشريعية وغير التشريعية وطرق الاستنباط ودلالات الألفاظ والعام والخاص واللوازم بل وحتى أسباب النزول وسواها .. وكلها مسائل لم ترد في المصدر الذي أشار له أخي ابراهيم .. ومع ذلك هو تجاوز كل ذلك واكتفى بتصوير الموضوع وكأنه مجرد استعارة على طريقة القص واللصق!!

ومع ذلك أزيد وأقول: إذا كان في نقل هذه النصوص بهذه الصورة ما يُخِل بالمهنية البحثية فأنا لا أجد ضيراُ في أن أعتذر عنه ، وأسأل الله أن يغفر لي .. لكن هذا لن يُغير من حقيقة الأسئلة المطروحة على طاولة البحث .. وما يعنيني هنا ليس الدخول في هذه الجزئيات التي لا تسهم بشيء كما ضياع المسار العام للحوار .. بل ما يعنيني هو البحث في ذات المسائل المطروحة ، حتى نصل بإذن الله إلى ما يُقرّبنا أكثر لمقصود الشارع وما فيه خير أمتنا ونهضتها.

آييه يا صديقي .. صرت اليوم تعتب على (النظام السياسي)! وتعتبر أن الإصلاحيين والتنويريين هم من يشرعنون للسلطة أفعالها!! .. ووالله لو أتت من غيرك لما كانت تسترعي التفاتاً ، ولكنها حين تأتي منك ، تبدو كلوحة خيالٍ علميٍ مُفرطٍ في الرداءة .. لأنك أعرف الناس بأولئك المُختصين بشرعنة أفعال السلطة ولو كانت تقف على النقيض من منهجهم الشرعي ومدرستهم العلمية!! .. ولكنها عين الرضا يا صديقي!

وأعلم حرصك على عدم فتح الملف الشخصي، وأطمئنك إلى أنك مهما فعلت فلن يُفتح هذا الملف، فأنت أعرف الناس بصاحبك يا أباعمر.

وفي الختام ، لا أزيد على أن أقول: ليتك يا صديقي لم تنجر إلى الدخول في هذا المستوى الشخصي، وليتك تُهدئ من ثورة مدافعك التي لم تكد تدع أحداً من أهل الخير إلا وأصابته بنيران التشكيك والتأليب والتشويه واتهام النيات والطعن في المقاصد .. ولا حول ولا قوة إلا بالله.
اللهم اغفر لي ولأخي.

نشر بتاريخ 11-06-2010  


أضف تقييمك

التقييم: 7.23/10 (810 صوت)


الـتـعـلـيـقـات

SAUDI ARABIA [محمد الجهني] [ 11/06/2010 الساعة 5:23 مساءً]
تعقيب على القديمي وخصومه

ورطة الإسلاميين مع الحد والمصلحة
قرأت الحوار بين نواف القديمي ومن حاوره مثل العجلان والتويجري وآخرهم السكران ، ووجدت أن الجميع وقع في ورطة فماهي تلك الورطة ؟

اتضح أنهم كلهم نصوصيون ظاهرية من التنويري القديمي حتى أكثرهم تشددا السكران الذي في طريقه لقصر مذهب أهل السنة على نفسه وأسرته ومن يعز عليه

أولا القديمي وقع في ورطة بتأصيله أن المنافقين كانوا يتركون ويسمح لهم بـ( حرية ) قول الكفر ، وهو تأصيل ينقصه التأصيل بدليلين :
الأول : إذا كان يسمح لهم بقول الكفر فلماذا يتظاهرون بالإسلام ؟ ، ولماذا يسمون بالمنافقين ؟
الثاني : قول الرسول (( حتى لا يقول الناس إن محمدا يقتل أصحابه )) ، هذا دليل صريح على أن عقوبتهم القتل ، ولا يجوز السماح لهم بإظهار الكفر ؛ لكن ترك الرسول عقابهم خوفا من قول الناس : إن محمدا يقتل أصحابه ، أي أن الرسول ترك إقامة الحد للمصلحة .

ثانيا : المحاورون للقديمي ، وهؤلاء حكايتهم حكاية ، ورثوا مجموعة من الأحكام وظنوا أنها هي الإسلام فقط ، وأنها هي الثوابت ( كماهي حكاية الثوابت التي تزيد كل يوم ) وكل نص شرعي يخالف هذه الأحكام يجب تأويله والبحث له عن مخرج ليبقى لهم هذا الحكم الذي ورثوه ، وهذه طريقتهم في كل ما يعرض لهم ، حتى إن السكران ليحافظ على هذه الأحكام وضع حمى اسمه ( أصول أهل السنة ) يدخل من يوافقه في هذا الحمى ويخرج من يخالفه من هذا الحمى ( طبعا أنا بحمد الله لست من أهل السنة ولا من السلفيين أنا مسلم فقط كما نبهت أكثر من مرة ) .
هؤلاء صدمهم القديمي بالتفتيش عن مثل هذه النصوص التي تخالف بعض الأحكام التي ورثوها وهنا سقط في أيدي القوم فالقديمي جاء بنصوص من القرآن الكريم تخالف ما توارثوه ، وهنا بدأت مكينة البحث عن مخرج على طريقة الأصوليين المتمذهبين ، فجاءت إجاباتهم مرة بأنها حق شخصي للرسول ومر ثانية بأنها منسوخة ، والمشكلة في الحقيقة ليست في النصوص ، المشكلة في الرؤوس الجامدة التي تجعل ما توارثته هو الدين وهو الحق وماعداه حتى لو كانت نصوصا شرعية يجب ليها وتأويلها لتوافق ما توارثوه .

فلا القديمي ( التنويري ) ، ولا خصومه من ( أهل السنة كما يسميهم السكران ) أصابوا في حوارهم ،
فإن الصواب أن ترك إقامة الحد على المنافقين إنما كان للمصلحة ، والصواب أن الحدود يجوز تركها وعدم إقامتها للمصلحة ، كما يجوز ترك بعض الأحكام الشرعية للمصلحة وهذا تأصيل أصيل في الإسلام سنـَّه الرسول صلى الله عليه وسلم في واقعة المنافقين وعدم إقامة الحد عليهم ، وترك هدم الكعبة وبنائها على قواعد إبراهيم للمصلحة .
وفعل عمربن الخطاب ذلك فقد أجرى الطلاق بالثلاث في لفظ واحد لمصلحة الناس في وقته ، ومنع تقسيم الأرض المفتوحة مخالفا حكم الرسول ( ص) للمصلحة .
وهذا تأصيل مهم جدا فيجوز ترك إقامة الحدود ، وترك بعض الأحكام الشرعية إذا رأت السلطة التشريعية بالدولة الإسلامية أن المصلحة المتحققة بترك ذلك ، ورحم الله الطوفي لقد كان فقيها أصوليا بارعا ، أدرك بفقهه أن الشريعة جاءت لمصالح البشر ، وأن الأصل هو ( الإنسان ) ، والنصوص جاءت لخدمة مصالح هذا الإنسان .
وكل كلام غير ذلك هو هروب من مواجهة الحكم الحقيقي ، وجمود على الظاهر

د / حمد السليطي
---------------------------------------------------------------------
القديمي والورطة مع النصّ الشرعي
بقلم: محمد بن عبدالله البقمي

الحمد لله وليّ الحمد ومستحقِّه، والصلاة والسلام على المشهود له بصدقِه، ومن اتّبعه وقام بحقِّه، أمَّا بعد:
فقد تابعتُ السِّجال الدَّائر حول "هامش الحرية في المجتمع المسلم"، والذي ابتدأه الكاتب الفاضل الأستاذ نوَّاف القديمي –سدَّد الله خُطَاه-، حينما كتب مقاله الأوَّل والذي وَسَمه بـ"على هامش فتوى البرّاك في خالص جلبي"، ثُمّ تابعتُ ما كُتب عليها من الرُّدود، حتَّى وصلني أخيراً من أخينا الشيخ أبو عمر السكران –نوَّر الله دربه وقلبه- بحثه الذي عنْوَنه بـ"شبهة حرية المنافقين"، والحقيقة أنَّني حينها لم أعلم عن تعقيب الأستاذ نواف الذي نشره أخيراً في مجلّة العصر بعنوان: "هامش الحرية.. والورطة أمام النص الشرعي"، إلا من خلال قراءتي لبحث أبي عمر، فرجعتُ إلى المقالة الأخيرة للأستاذ نواف، فوجدتُها –كسابقتها- قد انطوَت على وثوقيّةٍ عالية، وجُرأةٍ غير مبرّرَة، في التّعامل مع نصوصٍ عظيمة من كتاب الله –تعالى-، وسنّة نبيّه –صلى الله عليه وسلّم-، حيث استعمل الأستاذ الفاضل ما لم يكُن ينبغي أن يصدُر منه، ممّا سأقف عليه في هذه التعليقة المختصرة، وسأتجاوز النِّقاش العلمي فقد أجاد الإخوة الفضلاء ممّن تصدّى للردّ في بيان مفاصل القضيّة، وكانت خاتمة المسك بحثُ أبي عمر الأخير.. فمن النَّقاط المُهمّة "المنهجيّة":

أولاً: المنهجيّة البحثيّة الموضوعية تقتضي تجرّد الباحث مما عَلَق بذهنه، وخلعَه لربقة الأفكار المسبقة متجرِّداً للدليل، ليكون الدليلُ دليلاً له إلى الحقِّ، لا أن يُوظّفه ليستدلّ به على ما استقرّ في ذهنه، وانطوَت عليه قريحتُه لتقريره، فنحنُ عندما نُطالع مقالات الأستاذ الكريم سالفة الذكر؛ نجد "الحشْد من النّصوص" الذي راق له صفّه وتجميعه (بغضّ النظر عن مصدره؛ كما نبّه إلى ذلك أبو عمر في بحثه)، ممّا حدا بالأستاذ إلى أن يُشهره في وجه كلِّ نازلةٍ يتصدَّى لها، ولم يكُ يُدرك –هكذا بدا لي- أنّ النّقاش التفصيلي والتفسيري لأدلّته سيوقع مناقشيه في حرجٍ معه، إذ يقتضي ذلك انجرارهم إلى ردودٍ وإن كانت علميّة إلا أنَّها ستُنادي على فكره بما يترفّع عن المناداة به الكرام.. (والحرُّ تكفيه الإشارة)..

ثانياً: إنّ الظنَّ أو الجزم بأنّ ثمَّت "ورطة" ستُحدثها النصوص الشرعية لدعاة وكتّاب الخطاب الشرعي، لا يُمكنني وصفه إلا بأنّه زلةٌ علميةٌ فكريّة هوى فيها يراعُ أبي أحمد، ولا أخاله إلا استعجل هذا الوصف، فالنّصوص الشرعيّة –أستاذنا الكريم- لم ولن تقودنا إلى "ورطة"..!
فتبعيّتُنا لنصوص الكتاب والسنّة، وطواعيتُنا لمقتضياتها ممّا جاءت الشريعة بتقريره وبيانه، لم يكن له أن يُحدث أزمةً في خطابنا، أو ورطةً في نقاشاتنا، فطالب العلم الموفّق يُدرك تماماً التئام فروع الشريعة بأصولها، ومقاصدها وغاياتها بوسائلها وذرائعها، وأنَّ المنهج السليم، والمسلك المستقيم؛ ليس له أن يقف عاجزاً عن مواجهة ما يرِدُ عليه، أو يحيط به.
فذا وصفٌ ينبو عنه المحاور العلميّ الرفيع، ولا يستعجل في إطلاقه المفكُّر العاقل، الذي ينشد الحقّ، ويروم العدالة..

ثالثاً: إنَّ الورطة الحقيقية مع النّصوص الشرعيّة هي في التعامل المبتور، والاستدلال المجتزأ، والمنهجيّة المشتّتة التي تلتقطُ ما تريد غاضّةً طرفها عمَّا لا تُريد! قدْ يكون هذا اتّهاماً مبطّناً وربَما يكون صريحاً حتّى.. لكنّني أجدُ نفسي مضطرّاً للوقوف عنده رغبةً في تجليته وبيانه، يقول الشيخ المفضال فهد العجلان: "حين يأتي النَّظر في النصّ الشرعي بعد الاعتقاد وتحديد الخيارات، فليس هو في الحقيقة إلا شكلٌ من أشكال التّمرير أو التبرُّك –إن أحسنّا الظنّ- إذ النص الشرعي حينها ليس إلا تابعاً منقاداً لدى أصحاب هذا الخطاب؛ فسواءً وُجد النصُّ أو عُدِم، فلن يتغيّر في النتيجة شيءٌ يُذكر" (من مقالةٍ بعنوان: "الهروب عن النصّ إليه" من مجلّة البيان، العدد: 270)..
فالورطة إنَّما تكون في تحضير الحُكم المسبق، وهو: (إعلان المنافقين لأقوال وأفعال كفرية بحضرة الرسول والصحابة رضوان الله عليهم.. وفي المقابل عدم اتخاذ الرسول عليه الصلاة والسلام أي إجراء عقابي تجاههم) ليبدأ الكاتب الكريم بحشد الآي المبارك من كتاب الله، وأحاديث المصطفى –صلى الله عليه وسلّم- بانتقائيّة فريدةٍ، مع ليٍّ لأعناق النصوص، وتعسُّف ومناكدة لتوجيهها حيثما أراد..! ولستُ أزايد بهذه الأوصاف والأحكام، فمن تأمَّل مقالتي الأستاذ نوّاف، ثمّ طالع الجواب عليها في بحث الشيخ أبو عمر؛ تجلّى ذلك لناظريه بما لا يدَع مجالاً للتردُّد أو الريبة في فؤاده..

رابعاً: حينما يُقرّر كاتبٌ ما نحواً من هذه القضايا، فلا يقبل منه سوى أن يكتب بنَفَس علميّ، يضاهي أساطين الفنّ، ويقارع حجّتهم بلغتهم، فتلك من أساليب الحِجَاج التي لا ينبغي أن تغيب عن ذهن الكاتب الذي يتقحّم الكتابة في أيّ شأنٍ من الشؤون..
عندما يقول الأستاذ –وفقه الله للهدى- : "مع أهمية التذكير بأننا نتحاور حول مسألة شرعية، تقتصر مساحة الاستدلال الشرعي فيها على القرآن والسُنة الصحيحة وإجماع الصحابة.. لذا فبعض الإخوة الذين يكتفون بنقل نصوص وتأويلاتٍ لبعض أئمة الإسلام خالية من الاستدلال بالنص، فهي مقولات يجب أن يُستدل لها، لا أن يُستدل بها .. أو الإخوة الذين يُريدون رد النصوص الشرعية الواضحة الجلية بالإشارة إلى بعض أفعال عمر بن الخطاب رضي الله عنه، لأن أفعال عمر بمفردها ليست (دليلاً) إذا ما كانت في مُقابل نصوص شرعية واضحة وصريحة .. إضافة إلى أنه بالإمكان الاستشهاد بأفعال أخرى للخلفاء الراشدين تدل على إتاحة مساحة للحرية العقائدية" ، فنجدُ الأستاذ قد وقع فيما حاذره وحذّر منه، إن كُنتَ يا أبا أحمد تدّعي أن النقاش في ذات المسألة شرعيّ وشرعيٌّ بحت! وتحذّر مخالفيك من ردّ النصوص "الواضحة الجلية" لتُجلب بخيلك ورجلك على المتشابهات، وما لا دليل فيه، وما ليس في محلّ النزاع أصلاً !!
لمَ تُنحّي أقوال أئمة السّلف، ولا يرضيك إيرادها، أفتريد أن تستلّ من كتاب الله ما وافق رأيك، ثم تغضُّ الطرف عمّا سوى ذلك؟!
ثمَّ أنت بنفس المنهجيّة تُعامل سنّة النّبي -صلى الله عليه وسلم-!! بل وانسَحَب هذا المنهج "الفطير" لديك على السنن الراشديّة المُتّبعة!! واستثناء الاستدلال بعمر رغبةً إلى عليّ –رضي الله عنهما-!!
يا أستاذنا –وفقني الله وإيّاك للصواب-: لقد تقحّمت الصعاب، ووردت المهالك، وخلطت الحابل بالنّابل، إن كانت المسائل شرعيّةً فناقشها على جادّة أهل العلم، واقتفِ سَنَنَهم في الاستدلال والحِجَاج والمناقشة..

خامساً: إنّ تبرّؤك من لوازم قولك ومآلاته، والفرار من المحاكمة بما يؤدّي إليه رأيك، ليس إليك يا أستاذ نواف، فأنت تعلم جيّداً أن (شرعنة الحرية التي نعاصرها اليوم في وسائل الإعلام المقروءة والمسموعة والفضائية) مآله خطيرٌ جداً، ولازم القول به يؤدّي إلى إقرار الكفر والسُّكوت عنه، فعندما تقرّر –بارك الله فيك- لقضية سقف الحرّية:
(أن المجتمع المسلم ـ الذي يملك القرار ـ يجب أن يضع ضوابط وقوانين لسقف الحرية المُتاح في المجتمع، ويجب أن يمنع أي تعدٍ أو إساءة إلى المقدسات والعقائد، لأنه في حال سُمح لمن يُريد المسّ بمقدسات الأمة، فسيكون هذا الأمر هو المدخل الأكبر للفتنة وتفرقة المجتمع وإثارة العصبيات وربما قيام الحروب الطائفية والدينية) فلا أدري يا أبا أحمد هل أجَلْت نظرك فيما يحيطك به الواقع من متغيّرات وأحداث؟!

فأيّ حرّيّة تلك التي تدعو إليها، وأنت ترى من يتهجّم على ربنا العظيم –سبحانه-، أو رسولنا الكريم –عليه صلوات الله وسلامه-، أو يفتري على الشرائع، ويُسِفُّ بالعلماء، وينتهك أقدراهم؟!! هل بقيَ أكثر ممّا لم يجرِ بعدُ في السّاحة الإعلاميّة؟!

فيا عجبي.. أليس الأليق والأجدر بكم يا بني الأكرمين؛ أن تحجزوا هؤلاء المتزندقين عن التلاعب بشريعة الله، والاستهانة بدينه، والسخرية بنبيّه –صلى الله عليه وسلّم-؟! بدلاً من استفراغ الوُسع وبذل الجهد في تعقّب فتاوى العلماء الراسخين، وأئمة الإسلام المعاصرين؟!

سخّروا أقلامكم في نُصرة قضايا الأمّة وتحريرها لمعبودها الحقّ –سبحانه-.. تلكم والله هي الحرّيةُ الحقيقية، و"أشواق الحرية" التي تتراءى لنا هي تلك التي نتأمّل في خضوع الأمم لأمّة الإسلام ودينها العظيم..

سادساً .. وأخيراً: هي وصيّةٌ لأبي أحمد، ولصاحب التفسير "الفكري المشكل" (الأخ زائر الوسطيّة)، وللقرّاء الكرام، ولنفسي قبل الجميع:

كتابَ الله، كتابَ الله، إيّاكم وليّ أعناق نصوصه، والقول فيه بلا علم، وتخرُّص الظنون والأوهام مع نسبتها إليه، وامتطائه ليكون مشرعناً للآراء والأفكار، فلنحذر من "التّوظيف الايديولوجي" –إن صحّت العبارة- لنصوص الشريعة، ولنجاهد أنفسنا على أن تتخلّق ولو بنزْرٍ يسير من تقوى سلفنا الصّالح، وورعهم عن ورود المشكلات، وإشهار المتشابهات، فقد سئل أبو بكر الصديق رضي اللّه عنه عن قوله تعالى: {وَفاكِهَةً وَأَبًّا}، فقال: وأيّ سماء تظلني، وأي أرض تقلني؛ إذا قلت في كتاب اللّه ما لا أعلم؟!
وقال أبو الدرداء رضي اللّه عنه: "لا تفقه كل الفقه حتى ترى للقرآن وجوها كثيرة"، قال حماد: قلت لأيوب: ما معنى قول أبي الدرداء رضي اللّه عنه؟ فجعل يتفكّر، فقلتُ: هو أن ترى له وجوها فتهاب الإقدام عليه، فقال: هو ذاك.
فالوصيّة باطّراح الجُرأة والوثوقيّة منهجاً في التَّعامل مع نصوص الكتاب والسنّة، وتجييرها لخدمة قضيّة فكرية، أو تدعيم أطروحةٍ علميّة، بعيداً عن سياقاتها ودلالاتها ومعانيها...

لعلّ هذا كافٍ في بيان ما أردتُ التّعليق عليه من القضايا المنهجيّة التي استوقفتني في هذا السِّجال الفكريّ، وأختمُ بالشُّكر الجزيل لجميع من أفادنا بأطروحاته المميّزة في ذات القضية، وأخصّ بالذكر الشيخين الفاضلين إبراهيم السكران وفهد العجلان، كما اسألُ الله تعالى لي ولأخينا الأستاذ نواف القديمي التوفيق والسداد في الدارين، وللقرّاء الكرام..

وصلّى الله وسلّم على نبيّنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين..

أبو عبدالرحمن،،
مساء الخميس 27/6/1431هـ.
---------------------------------------------------------------------



مع القديمي والسكران

لاأعرف الإثنين إلا من خلال بعض المقالات إلا منطلقاتهم ادركها تماما

ففي حين أني وجدت وحدة فكرية تنطلق كالصاروخ لتقنعك بمحتواها في حين قرأت شتات فكري لا تكاد أن تجد له عنوان يلملم اطرافه إن المشكلة لدى القديمي وانصاره في منهج الإستدلال فتراهم مثلا يستميتون
في احضار الأفهام الشاذه لتقرير حرية المنافقين في حين الموضوع اسهل منذلك بكثير لو كانو صادقين مع انفسهم فالأمر لا يحتاج إلى هذه الإستماته بل وتتضافر فيه افهام السلف والخلف في كون النفاق المنافقين أمر لا يظهر وكلام الله عز وجل لكشف باطنهم الذي يخالف ظاهرهم.

أكاد أجزم ان القديمي وأشباههه على يقين تام بهوان فكرتهم التنويرية ولكن لديهم تجاسر غريب عن الرجوع عن هذه الفكرة بل كما قال العزيز الحكيم "إذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالإثم"

عموما هي فترة تاريخية كسابقاتها وكل يصنف نفسه ويبرمجها كما يريد ليرضي أمرا خفيا فيها وإن احتج لذلك واعتذر بآلاف الأعذار لهذا الصنيع.

وكما يقال "لن يصح إلا الصحيح" وفي الحديث الذي يرفع ضغط هذه الفئة عن ثوبان رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خذلهم، حتى يأتي أمر الله وهم كذلك)أخرجه مسلم، وفي حديث معاوية رضي الله عنه: ((لا يضرهم من خذلهم أو خالفهم))أخرجه البخاري

أبوحسان -الدرعية
----------------------------------------------------------------
من مخاطر فيه قولان

د. محمد السعيدي

منذ أن عرفت بلادنا الفتوى المؤسسية بل وقبل ذلك بكثير وفتوى العلماء تكاد تكون واحدة في الأمور العامة , أي التي يعم بها البلاء -كما يعبر الأصوليون- بحيث لا تكون الحاجة إليها خاصة بفرد أو حالة أو ناحية , بل تكاد تكون مطلبا لجميع الأفراد مع اختلاف أحوالهم وبيئاتهم .
وقد أثر ذلك إيجابا على عادات الناس وتقاليدهم حيث تكونت هذه على وفق تلك الفتاوى الواحدة مظهرة بذلك انسجاما منقطع النظير بين الفتاوى الشرعية والعادات الاجتماعية بلغ حده أن الكثير من الكتاب المتأخرين اختلط عليهم الأمر فظنوا أن الفتوى تابعة للسائد الاجتماعي و خفيت عليهم الحقيقة التاريخية وهي أن العكس هو الصحيح .
ومن أمثلة ذلك غطاء الوجه للمرأة, فالمكون له في الأساس هو الفتوى لا العادة بدليل أن النساء في بعض المناطق كن لا يغطين وجوههن , إلى أن شاعت بينهن هذه الفتوى التي أدى تعظيمها في نفوسهن إلى التخلي عن مألوف أمهاتهن من عشرات السنين إلى ما يرين أنه هو شرع الله سبحانه وتعالى .
وكذلك الأمر في اختلاط النساء بالرجال , فقد شكلت الفتوى بتحريمه عادة وتقليدا مطردا عند معظم أفراد المجتمع السعودي ظهر أثره جليا في كثير من معالم حياتهم ابتداء بعلاقاتهم الاجتماعية وانتهاء بأسلوبهم الخاص في بناء بيوتهم على نمط يتوافق مع الفتوى المحترمة بتحريم الاختلاط وذلك فيما لم يكن عفويا أو طارئا يسيرا أو ضروريا .
ومثل ذلك أيضا القول بوجوب صلاة الجماعة فقد صبغ بشكل ملحوظ عادات الناس وأسلوب توزيعهم لأوقاتهم , حين رسخ علاقتهم بالمسجد وجعل حركة السير أزمانا طويلة تشهد ضعفا ملحوظا أثناء أوقات الصلاة المفروضة , كما انبنى على هذه الفتوى أن صارت صلاة الجماعة إحدى المقومات التي يوزن بها الأفراد عند السؤال عنهم وبغية تزكيتهم .
هذه أمثلة ثلاثة , ويمكن للمتتبع أن يرصد في هذا السياق العديد من الفتاوى التيي كان لها أثر كبير في تكوين العادات التي صبغت الشخصية السعودية بصبغة سماها بعض الباحثين :الخصوصية , وهي صبغة أصبح آخرون اليوم يحاولون نفيها جاهدين ليقطعوا علاقة العادات بالفتاوى , أو ليوهموا أنفسهم بتبعية الفتاوى للعادات .
اليوم نشهد ثورة كبرى على الفتوى الواحدة في الأمور العامة , مرة بحجة تقديم الدليل ومرة بحجة التنوع الثقافي ومرة بحجة عدم الإنكار في مسائل الخلاف , ومرة بحجة مراعاة الأقلية , ومرة بحجة مراعاة النظرة العالمية لمجتمعنا.
وهذه الحجج تصدر عن أناس متباينين في توجهاتهم وما يعبر عنه النظر الكلي لطروحاتهم , فمنهم الأتقياء الأنقياء طلبة العلم الشرعي وهم قليل جدا في هذه الكفة , ومنهم الأهوائيون وجهلة الكتاب وهم الأكثر عددا والأكبر تأثيرا , ومنهم الليبراليون أصحاب الفكر التغريبي الذي لا يعنيه الدليل إلا بالقدر الذي يستطيع استخدامه به لضرب التوجه الديني ورموزه .
ومع تباين مواقعهم إلا أنهم يشتركون في الإصرار على مطالبة المفتين في المسائل العامة كما في المسائل الخاصة بحكاية الخلاف للمستفتي وبيان قوة القول الآخر ووجاهته قبل أن يرجح خلافه .
فإذا سألت الأمة بأسرها عن حكم كشف الوجه للمرأة وجب على المفتي أن يقول فيه قولان معتبران كل منهما تسنده أدلة صحيحة .
وإذا سأل المجتمع عن الاختلاط وصلاة الجماعة قيل له مثل ذلك وهكذا .
والمؤسف لي أن هذا التوجه أصبح له شيوعا وذيوعا في صحافتنا وإعلامنا ومجامعنا العلمية بحيث قدم لنا نذير هدم لبناء لن نعرف قيمته حتى يخر علينا سقفه وتداعى أحجاره , وأعني به بناء الوحدة والامتزاج بين الأعراف والفتاوى الشرعية , ذلك البناء الذي حقق لنا ولمدة ليست بالقصيرة أمنا فكريا وثقة مجتمعية وسياسية منقطعة النظير بالعلم الشرعي وأهله أجزم أنه لم يكن لها وجود في سائر العالم الإسلامي سوى في بلادنا حرسها الله من كل سوء .
نعم أريد أن تكون الفتوى في الأمور العامة واحدة , وأن لا يخرج الناس فيها عن المؤسسة العلمية الرسمية , وأن يمنع أهل العلم من الفتوى في هذه القضايا إلا على سبيل المدارسة والمذاكرة , كما أدعو إلى أن يؤطر الناس على العمل بها والإنكار على مخالفيها .
فإن هذا المسلك سيكفل لنا إعادة الثقة بالفتاوى الشرعية التي سيؤدي القبول العام لها لأن يعود العمل بمقتضاها عرفا مجتمعيا يتواطؤ الناس عليه ليحققوا به وحدة أخلاقية تظهر في جميع معالم حياتهم مشكلة انسجاما بين العرف والدين لا يمكن تحقيقه في أجواء أخرى تؤمن بالقولين والثلاثة دون التفريق بين المسائل الخاصة كالأخطاء الشخصية في الطهارة والصلاة وبعض المعاملات التجارية , وبين المسائل العامة التي يترتب عليها تنظيم حياة المجتمع بأسره وعلاقته بأفراده وحكامه , كمسألة حدود التعبير عن الرأي وبيوع الآجال والاختلاط وكشف الوجه وسفر المرأة دون محرم وأحكام الحضانة والنفقات وولاية القاصرين وغيرها من الأحكام التي تأخذ صفة عموم البلوى بها .
المجتمع لن يبقى دون عرف سائد مستقر كما هو حال كل تجمع إنساني , وفي ظل القولين والثلاثة في القضايا العامة التي عادة ما تتشكل منها أعراف المجتمعات سيصل المجتمع بشكل تلقائي إلى استقراره على أعراف غير ملتزمة بالفتوى الشرعية غير المستقرة , وبذلك ستولد مشكلة التضاد بين العرف والدين وهي المشكلة التي تخلص منها مجتمعنا السعودي منذ زمن واليوم يراد له أن يعود إليها ليكون نسخة مقلدة من مجتمعات عربية وإسلامية قريبة لم تنعم يوما من الدهر بما نعمنا به من توافق مذهل بين العرف والفتوى .

-------------------------------------------------------------------

[مقال سلطان العميري] [ 27/06/2010 الساعة 12:10 مساءً]

التسامح العقابي مع المبتدع وضرورة الإتقان المعرفي


ومن صور الخلط بين الحكم الشرعي وبين تطبيقه : القدح في الحكم الشرعي بناءً على التطبيقات السيئة له , وبناءً على استغلال أصحاب النفوس الضعيفة له


انتفاء العقاب عن المعين ليس دليلا على انتفاء وجود العقوبة الشرعية نفسها , ولما لم يدرك بعض المتبنين للتسامح العقابي هذه الحقيقة أخذ يستدل على انتفاء مشروعية العقوبة بانتفاء تطبيقها


الشريعة أباحت دم المسلم المعصوم بأمور ترجع إلى الفساد في المصالح الدنيوية , والمبتدع الذي يتبنى بدعة غالية يؤدي إلى إحداث ضرر كبير في دين الناس , والدين أعظم من المصالح الدنيوية


والذي تدل عليه الأدلة الشرعية والتاريخية أن المنافقين حصل منهم إظهار لفكرهم , ولو لم يظهروا قولهم الكفري لما كانوا منافقين , ولكن هذا الإظهار لا يصل إلى درجة الإعلان به في وسط المجتمع




بقلم: سلطان العميري


تعد مسألة التعامل مع المخالف من القضايا الشائكة على مر التاريخ , فالخلاف فيها ضارب في أعماق تاريخ الفكر الإسلامي , ومن يتتبع مراحل ذلك التاريخ يجد تباينات واسعة بين أتباع المذاهب في تحديد القول الصحيح فيها , وتحرير الضوابط الموافقة لمقتضيات الدلالات الشرعية المتقنة .

وها هو اليوم .. واقعنا المعاصر يشهد التباينات نفسها , ويعود فيه التاريخ من جديد , ليجعل هذه المسألة محل بحث ومثار جدل طويل .

وبلا شك يلحظ المراقب في خطابنا السائد ميلا إلى الجانب التشددي في الموقف من المخالف في مجالات عديدة , ومن مظاهر ذلك التشدد : الانطلاق من سوء الظن بالمخالف , وشيوع القدح في ديانته , والاتهام بسوء الطوية , وإغفال ماله من حقوق وتغليب الجانب النافي لها .


وهذه المظاهر تحتاج إلى إصلاح ومراجعة ومحاكمة إلى دلالات النصوص الشرعية وما كان عليه الصحابة رضي الله عنهم .

وقد أراد عدد من المهتمين بهذه القضية التخلص من الصورة الخاطئة في التعامل مع المخالفين , وكان من أظهر القضايا التي أرادوا مزاولة التصحيح فيها : قضية العقاب الدنيوي للمبتدع , وحسنا قصدوا , ولكنهم حين أرادوا ممارسة هذه العملية التصحيحية لم تكن ممارستهم خالية مما يقدح في انضباطها أو ما يعرقل مسيرتها , وإنما وقعت في ممارسات استدلالية ووصفية وتحليلية خاطئة أدت بها إلى نتائج مخالفة أو غير متسقة مع المستندات الشرعية الصحيحة , فغدت طريقة التصحيح محتاجة إلى تصحيح , وعملية النقد تتطلب النقد .


وتبرز أعمق تلك الممارسات الخاطئة في الأمور التالية :


الأمر الأول : شيوع التوصيف المخالف للواقع , فقد عمد كثير من المتبنين للتسامح العقابي إلى بناء توصيفات شرعية وتاريخية خاطئة مخالفة للواقع , وأخذ يستند إليها في تقرير ما يريد أن ينتهي إليه , وهي غير صحيحة في نفسها , وبالتالي وقع في بناءات خاطئة .


والأمر الثاني : اختفاء المناطات الشرعية المؤثرة في الحكم , ومزاحمة المناطات الأخرى التي ليس لها تأثير في بناء أي حكم شرعي , فمن البدهيات الاستدلالية في المسائل الشرعية أن الواجب على الناظر في دلالات النصوص الشرعية التحرر من كل غرض نفسي أو واقعي أو مصلحي , ويتجرد لتحرير المناط الذي اعتبرته الشريعة في بناء الحكم الشرعي , ولكن الملاحظ في قضية التسامح العقابي عدم تحرير تلك المناطات المؤثرة , واختلاطها بمناطات أخرى لا تأثير لها , مما أوقع البحث فيها في صور عديدة تنافي الانضباط المعرفي والاستدلالي


وهذا البحث يريد أن يسلط الأضواء على هذين الخطأين المنهجيين ويبين آثارهما على طريقة البحث والتداول في قضية التسامح العقابي مع المخالف , ويدرس مدى ربط التسامح مع المبتدعة مثلا بعدم إجراء العقاب الدنيوي معهم .


*** *** ***

أما الأمر الأول , وهو : التوصيف الخاطئ , فتتخلى أمثلته في القضايا التالية :


القضية الأولى : القول بأن المنافقين كانوا يعلنون كفرهم بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة من غير إنزال عقوبة دنيوية بهم , ليتم التوصل بعد ذلك إلى أن ثمة تسامحا عقابيا كان مع المنافقين .

وقد استند هذا القول على نوعين من الأدلة :

النوع الأول : أن الله تعالى كثيرا ما يذكر عن المنافقين أقوالهم ومناقضتهم لما كان عليه المؤمنون وأنهم يتحدثون في مجالسهم بذلك , ووجه إلى المؤمنين التوجيه مباشرة ولم يذكر أي إجراء عقابي , وإنما كان يأمر بالإعراض وعدم الإلتفات إليهم ونحو ذلك , وهذا يدل على أن المنافقين كانوا يعلنون أقوالهم وإلا كيف توجه الخطاب إلى المؤمنين مباشرة .

والنوع الثاني : انسحاب المنافقين بثلث الجيش يوم أحد , وهذا من أظهر الأدلة على إعلان المنافقين لكفرهم في زمن النبي صلى الله عليه وسلم .

ونحن حين نرجع إلى واقع المنافقين في عصر النبي صلى الله عليه وسلم لنتأكد من هذا التوصيف ( إعلان الكفر ) لا نجد ما يدل عليه , بل هو مخالف للواقع الذي كانوا يعيشونه , والشواهد على هذا عديدة , ومنها : وصف النفاق نفسه , فإن النفاق في الأصل يعني الخفاء والاستتار , فلوا كان المنافقون يعلنون كفرهم بين المسلمين فكيف يصح وصفهم بالنفاق إذن ؟! ولهذا لما بين القرآن ما كانوا عليه من الكفر وسوء الطوية في سورة التوبة سمي هذا التبيان فضيحة , وسميت سورة التوبة بالفاضحة , والفضيحة تعني كشف المساوئ وإظهارها , فلو كان المنافقون يظهرون كفرهم فأي فضيحة حصلت إذن ؟!


ومن يطالع القرآن يجده يحكي عن المنافقين الخوف والاستتار وعدم إظهار ما يكتمونه في صدروهم , ومن ذلك :قوله تعالى : {وَمِمَّنْ حَوْلَكُم مِّنَ الأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُواْ عَلَى النِّفَاقِ لاَ تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيم}[التوبة:101], فهذه الآية دالة على أن المنافقين يخفون كفرهم بحيث لا يعلمهم الرسول ومن معه , ومن ذلك :قوله تعالى : {أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ أَن لَّن يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُم * وَلَوْ نَشَاء لأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُم بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُم}[محمد:29 -30 ] , فهذه الآية تدل على أن كفرهم غير ظاهر وإنما يمكن أن يعرف بالقرائن .


ومن ذلك قوله تعالى : {يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَن تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِم قُلِ اسْتَهْزِؤُواْ إِنَّ اللّهَ مُخْرِجٌ مَّا تَحْذَرُون}[التوبة:64], فهذه الآية غخبار من الله تعالى عن خذر المنافقين من إظهار القرآن لحقيقة ما هم عليه , فلو كانوا يظهرون الكفر علنا فبما مبرر هذا الحذر ؟!


ومما يدل على ذلك : أنه نقل عن عمر بن الخطاب أنه لا يصلي على ميت حتى يصلي عليه حذيفة خشية أن يكون الميت منافقا , فلو كان المنافقون يعلنون كفرهم جهارا لما خفي على عمر , وهو الرجل القريب من النبي صلى الله عليه وسلم , ولو كانوا يظهروا كفرهم لما كان العلم بأسماء بعضهم سرا خاصا بحذيفة رضي الله عنه .


وإذا طالعنا حال المنافقين وجدنا أنهم يتحملون مشاقا كبيرة , فقد كانوا يخرجون إلى الغزوات ويحضرون الصلوات وهي ثقيلة عليهم جدا كما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم , فلو كانوا يظهرون كفرهم فلماذا ها التحمل كله ؟!


والذي تدل عليه الأدلة الشرعية والتاريخية أن المنافقين حصل منهم إظهار لفكرهم , ولو لم يظهروا قولهم الكفري لما كانوا منافقين , ولكن هذا الإظهار لا يصل إلى درجة الإعلان به في وسط المجتمع , وإنما كان إظهارا خاصا في مجالسهم الخاصة وفي حوادث متفرقة , وكان يشهد هذه المجالس بعض المسلمين ممن لم يعلم بحالهم , ثم يخبر بعضهم النبي صلى الله عليه وسلم بما يقولوا , وهذا لا يسوغ لنا أن نقول إن ثمة إعلانا للكفر في زمن النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة .


وأما ما حكاه القرآن من أقوال المنافقين , فإنه لا يصح الاعتماد عليه في القول بأنهم يمارسون إعلانا للكفر بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم , فإن غاية ما فيه إثبات حدوث تلك الكفريات من المنافقين , وليس فيها ما يدل على شيوع هذا القول وإعلانه , ومن عادة القرآن الغالبة استعمال الأسلوب العام في التوجيهات حتى ولو كانت متعلقة بأسباب جزئية , فترى القرآن يخاطب عموم المؤمنين في الأمر والنهي النازل بسبب خاص , وهذا لا يدل على أن ما نزل بسببه الأمر أمرا شائعا في المجتمع المدني , فكلك الحال في حكاية قول المنافقين , فاستعمال الأسلوب العام لا يعني أن هذا الفعل شائع في ذلك المجتمع .


وأما انسحابهم من غزوة أحد , فإن الذي يحاول أن يتعرف حقيقة ما وقع من المنافقين يدرك بأن ما وقع منهم لم يكن كفرا ونفاقا , فإنهم أثاروا شبهة ضعيفة , وهي أنهم لا يتوقعون وقوع القتال بين المسلمين والكفار , ولهذا رجعوا إلى المدينة , وافتتن عدد من المسلمين بشبهتهم فرجعوا معهم , وهذا في حد ذاته ليس إعلانا للكفر , حتى يصح الاعتماد عليه .


القضية الثانية : موقف ابن عمر من القدرية , فإنه أنكر قولهم ولم يطاب بمنعهم أو ملاحقتهم , فموقفه هذا دال على أنه يرى أن المخالف لا يعاقب على مخالفته , وهذا يدل على التسامح العقابي كما يقول بعضهم .

وإذا رجعنا لنتحقق من موقف ابن عمر وغيره من الصحابة من طائفة القدرية في زمنهم , فإنا نجد الأمر مختلفا عن هذا التوصيف , ولا بد لنا ابتداءً أن نبين المراد بالقدرية في زمن الصحابة , فإن المقصود بهم من ينكر علم الله السابق للأشياء , فالله حين أمر ونهى لم يكن يعلم من يطيعه ومن يعصيه حتى وقعت الأفعال من المكلفين .

وحين ظهر هؤلاء , وكان عددهم قليلا , أخذ الناس يسألون من بقي من الصحابة كابن عمر وابن عباس وعمران بن حصين وواثلة وغيرهم , وسألوا أيضا كبار علماء التابعين الذي تتلمذوا على الصحابة .

وظاهر فتوى ابن عمر أنه يرى كفر القدرية الأولى ؛ لأنه بين أن الله لا يقبل منهم علمهم حتى يؤمنوا بالقدر , واستدل بحديث جبريل الطويل , ليثبت أن القدرية أنكروا أصلا من أصول الإيمان الستة , وكان ابن عباس يرى قتل القدرية الأولى , فعن أبي الزبير أنه :" كان مع طاوس يطوف بالبيت ، فمر معبد الجهني , فقال قائل لطاوس : هذا معبد الجهني ، فعدل إليه ، فقال : أنت المفتري على الله ؟ القائل : ما لا يعلم ؟ قال : إنه يكذب علي , قال أبو الزبير : فعدل مع طاوس حتى دخلنا على ابن عباس , فقال طاوس : يا أبا عباس الذين يقولون في القدر ؟ قال : « أروني بعضهم ، قلنا : صانع ماذا ؟ قال : إذا أضع يدي في رأسه فأدق عنقه » ( الشريعة , الاجري رقم 458) .


وهذا هو القول المنقول عن كبار علماء التابعين , كمحمد بن سيرين وإياس بن معاوية وزيد ابن أسلم ومحمد القرظي وإبراهيم النخعي ووكيع بن الجراح والقاسم بن محمد ابن أبي بكر وسالم ابن عبدالله ابن عمر , ( انظر في أقوالهم :الشريعة , الاجري 2/917 و 918 و 922و923) .

فكل هؤلاء تواردوا على الإفتاء بقتل القدرية الأولى , وهم أعلم بفقه الصحابة وأقرب إلى منهجيتهم في الاستدلال , أولى بفهم أقوالهم .


وكون ابن عمر لم يفت بقتل القدرية الأولى لا يعني أنه لا يرى إلحاق العقوبة بهم , خاصة إذا علمنا أنه يرى كفرهم .


القضية الثالثة : موقف علي من الخوارج , فإنه لما ناظرهم هو وابن عباس قال لهم : "لكم عندي ثلاث خلال ما كنتم معنا ، لن نمنعكم مساجد الله أن يذكر فيها اسمه ، ولا نمنعكم فيئا ما كانت أيديكم مع أيدينا ، ولا نقاتلكم حتى تقاتلونا " , هذا يدل على أن عليا يرى أن المبتدعة لا يتخذ فيهم إجراءً عقابيا كما يقول بعض الباحثين .


وقبل أن نبين حقيقة موقف علي رضي الله عنه لا بد أن ننبه على أن النصوص الشرعية دلت على مشروعية قتال الخوارج وقتلهم , وقد جاء ذلك في نصوص كثيرة , منها :قوله صلى الله عليه وسلم :" يأتي في آخر الزمان قوم حدثاء الأسنان ، سفهاء الأحلام ، يقولون من خير قول البرية ، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية ، لا يجاوز إيمانهم حناجرهم ، فأينما لقيتموهم فاقتلوهم ، فإن في قتلهم أجر لمن قتلهم يوم القيامة » ( أخرجه البخاري رقم 3611) .


ومنها : قوله صلى الله عليه وسلم :" « إن من ضئضئ هذا قوما يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم ، يمرقون من الإسلام مروق السهم من الرمية ، يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان ، لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد »( البخاري رقم 7432) .


فهذه النصوص كلها تدل على مشروعية اتخاذ الإجراءات العقابية ضد الخوارج , ولهذا استند عدد من علماء المذاهب إليها في تقرير مشروعية قتل الخوارج ولو لم يبدؤوا بالقتال , وهي دلالة قوية على خطأ إطلاق القول بالتسامح العقابي بدون قيد .


وأما عدم تطبيق علي رضي الله عنه لهذه العقوبة في بداية الأمر فليس فيها دليل على أنه يرى عدم مشروعية العقوبة الدنيوية للمخالف , فإنه حرق من غلا فيه من الشيعة ولم يتسامح معهم , فموقفه من الخوارج في ابتداء الأمر يحمل على أن عليا لم يكن يقصد إلى تشتيت جهوده في محاربة الخارجين عن حكمه والمنازعين له في إمامته , وعلى ان الخوارج كان عددهم كبير جدا فلا مصلحة من قتلهم في تلك المرحلة , فلما اعتدى الخوارج وانتشر شرهم بادرهم بالقتال والقتل .


القضية الرابعة : القول بأن واصل بن عطاء كان له مجلس في مسجد الكوفة يدرس فيه مذهبه المخالف لما كان عليه الصحابة والتابعون , وهذا يدل على مدى التسامح العقابي الذي كان يزاوله الصحابة والتابعون كما يقول بعض الباحثين .


ونحن حين نرجع إلى المراجع التاريخية لنتحقق من هذا الأمر نجدها مختلفة في حكاية ما كان عليه واصل مع الحسن البصري , ولكن كل الحكايات ليس فيها ما يدل على أن واصلا كان له مجلس مستقر في المسجد يشرح فيه قوله , وإنما غاية ما فيها أنه لما انعزل عن مجلس الحسن البصري جلس إلى سارية من سواري المسجد واجتمع إليه عدد من أصحابه وأخذ يتحدث إليهم بفكرته , ولم يرد أنه أنشأ مجلسا ظاهرا في المجسد أو في غيره يشرح فيه وقله , بل الظاهر في التاريخ أن قوله كان غير مشهور ولا معلن به .


القضية الخامسة : موقف عمر بن عبدالعزيز من غيلان , فإنه – كما قرر بعض الباحثين – ناظر غيلان الدمشقي ولم يتخذ ضده إجراءً عقابيا , فلما مات عمر قتله هشام بن عبدالملك , وبلا شك أن عمر أفضل من هشام , وهذا دليل على أن الإجراءات العقابية كان منشاؤها السياسية لا الدين .


ولكن هذا التوصيف غير دقيق , فإن الناظر في الكتب المسندة يجد أن عمر لم يتسامح مع غيلان , فإنه حين بلغه عن غيلان القول بالبدعة دعاه وحسبه أياما ثن ناظره وبين له خطأه واستتابة , فأظهر غيلان التوبة والرجوع عن مقالته فخلى سبيله , وهذا يدل على أنه لو لم يعلن توبته لاتخذ منه موقفا آخر .


ثم لما مات عمر رجع غيلان إلى مقالته وقتله هشام ابن عبدالملك بعدما ناظره الأوزاعي وأفتى بقتله , فقتل , وأيد عدد كبير من كبار العلماء هذا الفعل .


وقد حاول عدد من الباحثين التشكيك في نزاهة هذا القتل وربطه بالأغراض السياسية , وقد بينت في التفسير السياسي الخلل المنهجي في هذا الربط الخاطئ .


*** *** ***

وأما الأمر الثاني , وهو : اختفاء المناطات المؤثرة في بحث التسامح العقابي , فتتجلى هذه الإشكالية في القضايا التالية :


القضية الأولى : الخلط بين الحكم الشرعي وبين تطبيقه :


من العلوم أن النظر في نصوص الكتاب والسنة يتطلب أن يفرق الناظر فيها بين أمرين هامين :


أما الأمر الأول : فهو حقيقة الحكم الشرعي في نفسه وكيفية بنائه ,

وأما الأمر الثاني : فهو تنزيل الحكم الشرعي على المعين وتطبيقه في الواقع .


وهذان أمران مفترقان في الحقيقة وفي المناطات المؤثرة وفي الشروط , فالواجب على الباحثين في الشريعة أولا بناء الحكم الشرعي في نفسه وتحرير الدلالات الصحيحة فيه وتبيان المناطات المعتبرة , وأما تنزيل الحكم على المعينين وتطبيقاته المختلفة فهذا شأن آخر له شروط واعتبارات أخرى , ويجب أن يراعى فيه ظروف زمانية ومكانية وحالية لا تراعى في بناء الحكم الشرعي نفسه .


وهذا التفريق تدل عليه تطبيقات كثيرة في عهد الصحابة وغيرهم , فمما لا شك فيه أن الشريعة ثبت فيها حد السرقة ثبوتا قطعيا , ومع هذا لم يطبق عمر هذا الحكم على بعض المعينين لظروف خاصة راعاها عمر , فعدم تطبيق عمر لا لأن الحكم ليس ثبتا عنده , إنما لأنه يفرق بين الحكم الشرعي ومناطاته وبين تطبيقاته العملية , وكذلك لم يقم عثمان حد الزانى على المرأة الجاهلة في زمنه, لا لأن عثمان لا يرى حد الزانى وإنما لأنه راعى أحوالا خاصة قامت في المعين .


وعلى هذا فانتفاء العقاب عن المعين ليس دليلا على انتفاء وجود العقوبة الشرعية نفسها , ولما لم يدرك بعض المتبنين للتسامح العقابي هذه الحقيقة أخذ يستدل على انتفاء مشروعية العقوبة بانتفاء تطبيقها , فجعل يقول : إن المنافقين لا يشرع في حقهم إجراء عقابي في الدينا ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يتخذ في حقهم ذلك الإجراء العقابي .


وهذا التصور مبني على مقدمة خاطئة في الاستدلال كما سبق تبيانه , وفضلا عن ذلك فإن ثمة دلالات شرعية عديدة دالة على ثبوت العقوبة الدينوية شرعا في حق المنافقين .


ومن ذلك : قوله تعالى : {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِير}[التوبة:73] , فالأمر بالجهاد والإغلاظ أمر بعقوبة دنيوية بلا شك , وقد اختلف المفسرون من الصحابة وغيرهم في معنى الأمر بالجهاد هنا , فمنهم من ذهب إلى أن المراد به الجهاد باليد واللسان , وهو تفسير ابن مسعود وغيره من السلف , واختاره ابن جرير وغيره , ومنهم من قال : إن المراد بالجهاد هنا الجهاد باللسان فقط ,كما قال ابن عباس , وعموم اللفظ يقوي القول الأول , وأما الأمر بالإغلاظ فهو أمر بعدم الرفق بهم والشدة عليهم , وهذا أمر يشمل أحكاما عملية عقابية عديدة .

ومما يدل على ذلك : قوله تعالى : {لَئِن لَّمْ يَنتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لاَ يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلاَّ قَلِيلاً * مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلاً}[الأحزاب:61] , وهذه الآية واضح فيها التهديد العقابي بالقتل والتشريد , وقد أخذ عدد من العلماء مشروعية قتل المنافقين إذا أظهر نفاقه من هذه الآية .


ومما يدل على ذلك : أن النبي صلى الله عليه وسلم لم ينكر على عمر ابن الخطاب تعليق القتل بالمنافق حين قال عن حاطب :" دعني أضرب عنق هذا المنافق" , فقال النبي صلى الله عليه وسلم :" وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر فقال عملوا ما شئتم فقد غفرت لكم " , فالنبي صلى الله عليه وسلم لم ينكر على عمر استحلال ضرب عنق المنافق , فهو لم يقل : وما يدريك إن المنافق يقتل , وإنما بين أن حاطبا ليس منافقا .


ومما يدل على ذلك :هدم النبي صلى الله عليه وسلم لمسجد الضرار , وهذا الهرم من الأصول الكبرى التي يبنى عليها التعزير بالمال , وقد استدل به كثير من العلماء على هذه القضية , وليس خافيا أن التعزير بالمال إجراء عقابي دنيوي .


هذه كلها دلالات شرعية على مشروعية العقاب الدينيوي في حق المنافق .


ومن صور الخلط بين الحكم الشرعي وبين تطبيقه : القدح في الحكم الشرعي بناءً على التطبيقات السيئة له , وبناءً على استغلال أصحاب النفوس الضعيفة له , فإن بعض الباحثين في التسامح العقابي لما رأى أن الإجراء العقابي للمخالف طبق تطبيقات سيئة في التاريخ الإسلامي واستغله بعض الحكام أخذ يقدح في الحكم الشرعي نفسه , وهذا كله غير صحيح ولا مبرر فيه للقدح في الحكم الشرعي , لأنه لا علاقة للحكم الشرعي بالتطبيقات الخاطئة , ولو طردنا هذه الطريقة لأبطلنا عددا كبيرا من الشرائع الإسلامية ,نتيجة التطبيقات الخاطئة من بعض المسلمين لها .

ثم إن عبث المستغلين للأحكام الشرعية يمكن أن يقع حتى في العقوبات الأخرى التي هي دون القتل كالعقوبات المالية والجسدية الأخرى , فهل ننكر حتى هذه الأحكام لأنه تم استغلالها من بعض ضعفاء النفوس ؟!


القضية الثانية : اختفاء المناط المؤثر في قتل المبتدع :

من القضايا الهامة التي تساعد على ضبط وإتقان البحث في مسألة التسامح العقابي تحرير المناط المؤثر في إجراء العقوبة الدنيوية في حق المبتدع , فقد شاع في التاريخ الإسلامية أن عددا من غلاة المبتدعة قتلوا , كمعبد الجهني وغيلان الدمشقي والجهم ابن صفوان والجعد بن درهم وغيرهم , وقتل هؤلاء تتعلق به بحوث عديدة , ومن تلك البحوث : السبب الحقيقي الذي كان وراء قتلهم , فقد ذهب عدد من المعاصرين إلى ذلك السبب كانا سياسيا بالدرجة الأولى , وأن العلماء الذي أفتوا بقتلهم انخرطوا مع هذا الغرض المادي البحت , وهذا خطأ تاريخي ظاهر , وقد بينت الدلائل على خطائه في كتاب " التفسير السياسي للقضايا العقدية في الفكر العربي المعاصر " وتوصلت إلى أن السبب وراء ذلك كان سببا دينيا بالدرجة الأولى .

وقد استشكل بعض الباحثين هذه النتيجة وأخذ يقول : إذا السبب وراء قتل أولئك المبتدعة كان دينيا فإنه يلزم منه الحكم بجواز قتل الأشاعرة , لأنهم قالوا بأغلظ مما قال مبعد الجهني وغيلان الدمشقي , بل هم أكثر ابتداعا منهما .


وإذا أردنا أن نحلل هذا الاستشكال ونفكك مقدماته نجد أنه مبني على مقدمتين خاطئتين :


أما المقدمة الأولى : فهي أن بدع الأشاعرة أغلظ من بدع القدرية , وهذا غير صحيح ؛ فإن قول معبد الجهني أعظم جرما ومخالفة للنصوص الشرعية والأدلة العقلية من جميع أقوال الأشاعرة , فإن قوله راجع إلى إنكار العلم الإلهي السابق , وهذا قول شنيع لم يقل به الأشاعرة ولا حتى المعتزلة .


ومنشأ الغلط في ذلك الاستشكال راجع إلى عدم التفريق بين اطلاقات لفظ القدرية في التاريخ الإسلامي , فإن هذا اللفظ يطلق على ثلاث طوائف كما بينته في التفسير السياسي : الإطلاق الأول : يطلق على نفاة العلم الإلهي , ويسمى هؤلاء بالقدرية الأولى , وهم من يقول إن الله لا يعلم بأفعال العباد حتى تقع منهم وأما قبل وقوعها فهو سبحانه لا يعلم من يطيعه ولا من يعصيه , وقد أنكر عليهم من بقي من الصحابة وأفتوا بقتلهم وكذلك فعل كبار علماء التابعين , وهذه الطائفة انقرضت في زمن مبكر من التاريخ الإسلامي , والإطلاق الثاني : يطلق على الذين يقولون إن الله لا يخلق الشر فقط , وهذا القول شاع في المحدثين حتى قال الإمام أحمد :" ثلث رواة البصرة من القدرية " ويريد بهم هذا النصف , والإطلاق الثالث : يطلق على المعتزلة , الذين أثبتوا العلم الإلهي , ولكنهم نفوا خلق الله تعالى لكل أفعال العباد .


وهذا الإطلاق هو الذي يقابل بينه وبين قول الأشاعرة غالبا, فإن قال العلماء عن قول الأشاعرة أغلظ من قول القدرية وأقبح , فالمراد بالقدرية هنا المعتزلة لا القدرية الأولى , ولا شك في صحة هذا الحكم , لأن قول المعتزلة يؤدي إلى تعظيم الأمر والنهي والتكليف أكثر من قول الأشاعرة .


وإذا ظهرت لنا هذه التفصيلات الهامة فسندرك أن ذلك الاستشكال لا مبرر له , وإنما هو ناتج عن عدم إدراك لهذه الأمور الهامة .


وأما المقدمة الثانية :وهي : أن المناط في قتل القدرية كان الابتداع في الدين , وهذه المقدمة وقعت فيها تجاذبات عديدة , وتباينات مختلفة في توصيف المناط الحقيقي فيها , فمن الباحثين من يقول أن المناط هو الابتداع في الدين , ومنهم من يقول أنه الوقوع في البدعة المكفرة , ومنهم من يقول أنه الدعوة إلى البدعة .


وكل هذه الأقوال غير دقيقة في تحديد المناط الحقيقي لقتل المبتدع , وقبل أن نذكر المناط الصحيح المؤثر لا بد أن ننبه على أن هذه القضية تعد من المسائل الاجتهادية التي هي محل للاختلاف السائغ الذي يقتضي الإغلاظ أو التثريب , وليست من معاقد الإجماع التي يضلل فيها المخالف , وهذا لا يعني عدم الحرص على تحرير الدلالة الشرعية فيها وعدم بيان الخطأ الواقع فيها من الأقوال المخالفة .


وثمة أمر هام لا بد من التنبيه عليه أيضا , وهو أن الإجراء العقابي بالقتل وغيره مبني على إباحة التعزير بالقتل , وهذا الأصل مختلف فيه بين أتباع المذاهب الفقهية , والذي ذهب إليه أكثر الفقهاء جواز التعزير بالقتل كما سيأتي ذكر بعض أدلته .


وبناءً على هذا الأصل ذهب عدد من فقهاء الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة إلى جواز الإجراء العقابي على المبتدع الداعية إلى بدعته بالقتل , وهو الذي كان عليه أكثر علماء السلف المتقدمين من أهل الحديث وغيرهم كما حكاه ابن تيمية .


وإذا أردنا أن نحلل القول بجواز الإجراء العقابي على المبتدع بالقتل ونحوه ونفتت منظومته الاستدلالية ونجزئ مكوناته المعرفية نجد أن المناط المؤثر في بنائه مناط مركب من أمرين : الأول : حصول الضرر الديني بسبب البدعة , والثاني : انحصار دفع الضرر في القتل فقط , ولا بد من توفر هذين الأمرين حتى يصح قيام المناط المؤثر , فإذا لم يحصل الضرر الديني بالبدعة فلا يجوز المصير إلى القتل , والمراد بالضرر هنا قدر زائد على مجرد المخالفة للشرع , وإلا جاز قتل كل من وقع في المعصية وكل من وقع في بدعة ولو لم تكن غالية , وكذلك إذا أمكن إزالة الضرر بغير القتل فإنه لا يجوز المصير إليه , وكذلك إذا لم يزل الضرر بالقتل فإنه لا يجوز المصير إليه .


وتحديد تحقق هذا المناط المركب في الواقع مما يحصل فيه الاجتهاد , ويقع الاختلاف في تحديد الظروف التي يتحقق فيها , ومن الظروف التي لا يتحقق فيها – في تصوري- أن تكون البدعة شائعة ومنتشرة ويتبناها عدد كثير , ففي هذه الحالة لا يحقق القتل اندفاع المفسدة , وكذلك إذا كان انتشار السنة التي كان عليها الصحابة رضي الله عنهم ضعيفا , فالقتل لا تندفع به المفسدة والحالة هذه .


ويمكن لنا أن ندرك هذه المناط المركب من تقريرات كثير من الفقهاء , وفي هذا يقول ابن عابدين من الحنفية :" والمبتدع لو له دلالة ودعوة للناس إلى بدعته ويتوهم منه أن ينشر البدعة وإن لم يحكم بكفره جاز للسلطان قتله سياسة وزجرا لأن فساده أعلى وأعم حيث يؤثر في الدين" ( ابن عابدين 4/243) .

ويقول ابن فرحون من المالكية :" وأما الداعية إلى البدعة المفرق لجماعة المسلمين فإنه يستتاب،فإن تاب وإلا قتل" (تبصرة الحكام 2/297)


وهذا المناط المركب ظاهر في تقريرات ابن تيمية , وهو يعد من أوضح العلماء الذين حرروا وجه التركيب فيه , وفي هذا يقول ": ومن لم يندفع فساده في الأرض إلا بالقتل قتل , مثل المفرق لجماعة المسلمين والداعي إلى البدع في الدين" ( الفتاوى 28/108) .


يقول أيضا :" وأما قتل الداعية إلى البدع فقد يقتل لكف ضرره عن الناس , كما يقتل المحارب , وإن لم يكن في نفس الأمر كافرا , فليس كل من أمر بقتله يكون قتله لردته , وعلى هذا قتل غيلان القدري وغيره قد يكون على هذا الوجه"( الفتاوى 23/351) .


ومن أجمع تقريرات ابن تيمية في هذه القضية قوله :" فأما قتل الواحد المقدور عليه من الخوارج ؛ كالحرورية والرافضة ونحوهم : فهذا فيه قولان للفقهاء , هما روايتان عن الإمام أحمد . والصحيح أنه يجوز قتل الواحد منهم ؛ كالداعية إلى مذهبه ونحو ذلك ممن فيه فساد فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { أينما لقيتموهم فاقتلوهم } وقال : { لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد } وقال عمر لصبيغ بن عسل : لو وجدتك محلوقا لضربت الذي فيه عيناك . ولأن علي بن أبي طالب طلب أن يقتل عبد الله بن سبأ أول الرافضة حتى هرب منه . ولأن هؤلاء من أعظم المفسدين في الأرض . فإذا لم يندفع فسادهم إلا بالقتل قتلوا ولا يجب قتل كل واحد منهم إذا لم يظهر هذا القول أو كان في قتله مفسدة راجحة . ولهذا ترك النبي صلى الله عليه وسلم قتل ذلك الخارجي ابتداء لئلا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه " ولم يكن إذ ذاك فيه فساد عام ؛ ولهذا ترك علي قتلهم أول ما ظهروا لأنهم كانوا خلقا كثيرا وكانوا داخلين في الطاعة والجماعة ظاهرا لم يحاربوا أهل الجماعة ولم يكن يتبين له أنهم هم "( الفتاوى 28/499) .


وهذه التقريرات من ابن تيمية تدل على أنه لا يعتمد على قصة عمر مع صبيغ فقط , ولا على موقف علي من السبئية فقط , وإنما ينطلق من أصل كلي في الشريعة وهو أن الشرع جاء فيه إباحة دم المسلم لأجل أمور تتعلق بالشؤون الدنيوية , فما يتعلق بالدين يكون من باب أولى , كما سيأتي بيانه .

والملاحظ أن عددا من المعاصرين لم يهتم بتحرير وتعيين الأدلة الشرعية التي استُنبِط منها ذلك المناط المركب , ولأجل هذا أخذ بعضهم يقول : إن دليل هذا القول ضعيف ؛ لأنه مبني على الاستدلال بفعل الحجاج أو هشام ابن عبدالملك أو مبني على كون أكثر السلف قال به .


وإذا مارسنا مزيدا من التحليل لتقريرات المحققين من العلماء الذين تبنون هذا الموقف نستطيع الكشف عن الأدلة الشرعية التي كانت وراء بناء هذا القول , وتتحصل هذه الدلالة في قياس الأولى .


وصورة هذا القياس : أن الشريعة أباحت دم المسلم المعصوم بأمور عديدة ترجع إلى الفساد في الأموال والمصالح الدنيوية , والمبتدع الذي يتبنى بدعة غالية ويدعوا إليها يؤدي إلى إحداث ضرر كبير في دين الناس , والدين أعظم من المصالح الدنيوية , فإباحة القتل فيه من باب أولى .


والأصل المقيس عليه في هذا القياس أصل كلي قطعي , كما جاء قي قتل الزاني المحصن وقتل المفارق للجماعة الشاق لعصى الطاعة وقتل الصائل وقتل المحارب وقتل الخوارج وقتل الساحر وقتل من أتى ذات المحارم وقتل تارك الصلاة وغيرهم

والعلة في أباحة الدم في هذه الأمور تحقق الفساد في دين الناس ودنياهم , وهذه العلة متحققة بصورة أكبر في صاحب البدعة الغالية الذي يسعى إلى الدعوة لبدعته ,فإباحة دمه بناءً على ما سبق تكون من باب الأولى .


وهذا الأصل القطعي كان معتمد عدد من العلماء في الافتاء بالقتل في أمور لم ترد في النص الشرعي , ومن تلك الأمور : الإفتاء بفتل فاعل اللواط , ومن الأمور : الإفتاء بقتل الجاسوس , من تلك الأمور : الإفتاء بقتل شارب الخمر في المرة الخامسة , فهذه القضايا أفتى فيها عدد من العلماء بالقتل , قياسا على ذلك الأصل الكلي .


سلطان بن عبدالرحمن العميري

جامعة أم القرى


[رد الضحيان على العميري] [ 27/06/2010 الساعة 12:12 مساءً]
ياعميري ( ثبت العرش ثم انقش )

لو كان الصحابة يقتلون الداعي للبدعة فكيف قامت البدع في أيامهم و بقيت إلى اليوم ؟!!

أكثر من لوحق بتهمة البدعة هم الحنابلة

بقلم: د. سليمان الضحيان

أود التعليق المختصر والسريع على رأي الأستاذ القدير الفاضل سلطان العميري - وهو صديق عزيز وباحث جاد – في بحثه عن مسألة قتل الداعي للبدعة ، ولن أتعرض لكلامه عن المنافقين ؛ كلامي فقط سيكون عن مسألة ( قتل المبتدع ) نظرا لأنه تعرض لبعض ما ذكرت في تعليقي على كلام الأستاذ نواف في الفيس بوك في مسألة ( قتل الداعي للبدعة ) ، فأقول تعقيبا على كلامه :
الأستاذ الفاضل بنى كل بحثه على فرضية (( ثبوت عقوبة الداعي للبدعة )) ، وتحولت لديه إلى حقيقة لاشك فيها ، ولهذا طرح تأصيلا كثيرا كله مبني على وهم ثبوت العقوبة ، ونحن ننازعه في هذا الثبوت ، ونقول للأستاذ الكلمة المشهورة (( ثبت العرش ثم انقش )) ؛ أي دلل على ثوب العقوبة ، ثم لك بعد ذلك أن تؤصل عليه ما شئت ، وكل ما ذكروه من العقوبة هو أقوال للتابعين ، أو قياس على التعزير في الجنايات ،وأقوال التابعين لا حجة بها وحدها ، خاصة أن ما أثر عن الصحابة يعارضها ، والقياس باطل ؛ وذلك لأنه خلاف المنقول ، فإن الثابت من فعل النبي صلى الله عليه وسلم أنه لم يعاقب رأس بدعة الخوارج فقد تركه وقال (( يخرج من ضئضيء .. إلخ )) ونهى عن قتله ، وقوله في نهاية الحديث (( لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد )) إنما هو إشارة لسلهم السيف على المسلمين ، وسل السيف مسألة أخرى كما هو معلوم ؛ ولهذا بدليل فعلي بن أبي طالب رضي الله عنه وهو من قاتلهم قال فيهم القول المشهور (( لكم علينا ثلاث .. )) الأثر ، وبهذا ندرك خطأ استشهاد العميري بهذا الحديث على عقوبة المبتدع ؛ إذ هو حجة عليه لا له ، فلو كان فيه دلالة على عقوبتهم لكانت عقوبة رأسهم أولى ، وكذا الثابت من فعل الصحابة كما في فعل ابن عمر رضي الله عنه ، وقول علي بن أبي طالب كما سبق .
من أين جاءت وتضخمت مقولة قتل المبتدع ؟
جاءت في سياق تبني الدولة الإسلامية لمذهب ديني ، فيصبح المذهب الديني بمثابة ( عصبية دينية ) فتقرب الدولة علماءه ، وتكون لهم اليد الطولى في تفسير الدين ، ولهم الحق بملاحقة مخالفيهم ، وبهذا تصبح مخالفة تلك المبادئ الدينية في الحقيقة هي مخالفة سياسية ، ولهذا جرى ملاحقة المخالفين لها لأنه مخالفتهم تهدد أمن الدولة والعصبية الدينية التي قامت عليها ؛ ولهذا لا نجد دولة ترفع شعار الإسلام في التاريخ سواء كانت أموية أو عباسية أو عثمانية ، أو معاصرة كدولة طالبان ، أو إيران أو السعودية ، إلا ولها أدلوجة دينية تطرح على أنها هي الدين ومن يعارضها فهو يدخل في خانة ( المبتدع ) ، وهذا ما يفسر أنه لم يكد ينجو عالم من علماء الأمة سواء كان من أهل الحديث ، أو المعتزلة ، أو الأشاعرة من الملاحقة ، وأكثر من عاني من الملاحقة بتهمة ( البدعة ) هم الحنابلة لأنهم كانوا يشكون أقلية ، وكانوا يخالفون أيديلوجية الدول آنذاك وهي التشيع كما في عهد البويهيين ، أو ( الأشعرية ) ، فالدولة تتيح لعلمائها الأشاعرة الذين تستمد منهم الشرعية ملاحقتهم ؛ فقد منعهم الخليفة العباسي الراضي من الخطبة وفرض الإقامة الجبرية على زعيمهم الشريف أبي جعفر الهامشي ، وذلك أيام فتنة القشيري ، ومنعهم الأشرف الأيوبي في الشام ، ومنعهم السلطان بيبرس الجاشنكير في مصر ، و أجمع علماء الأسكندرية في القرن السادس على كفر المحدث الحنبلي الحافظ عبد الغني المقدسي لإثباته العلو ودعوته إليه ، وأفتى القاضي المالكي بقتل ابن تيمية الحنبلي لأنه يراه يدعو لبدعته في إثبات العلو .
وهذا الصنيع من تلك الدول وهو في حقيقته عصبية للدولة وللأيديلوجبة التي تقوم عليها تحول مع الأسف الشديد إلى دين ، عقيدة للسلف ، بل يحكي بعضهم إجماع السلف عليه .
قارن هذه الملاحقات ، وهذا التضييق ومصادرة الآراء الذي ضاقت به الأمة على مدى تاريخنا ، بإعراض الرسول صلى الله عليه وسلم عن رأس الخوارج ، أو بقول علي بن أبي طالب رضوان الله عليه عن الخوارج الذين يكفرونه : (( لهم علينا ثلاث : ألا نبدأهم بقتال ما لم يقاتلونا ، وألا نمنعهم مساجد الله أن يذكروا فيه اسمه ، وألا نحرمهم من الفيء ما دامت أيديهم مع أيدينا )) .
أختم بسؤال بريء جدا :
كل الأقوال التي نص أهل الحديث على أنها هي رؤوس البدع ( القدرية / الخوارج / الشيعة ، المرجئة ) كلها نشأت وقت الصحابة ، فـ( القدرية ) حديث ابن عمر يثبت نشأتها وقت الصحابة ، و ( الخوارج ) وهذا معروف ومشهور ، و ( الشيعة ) حديث أسماء بنت أبي بكر مع المختار بن عبيد الله يثبت نشأتها وقت الصحابة ، و( المرجئة ) قول قتادة عنهم يثبت نشأتها وقت الصحابة )) ؛ السؤال : لو كانوا يقتلون الداعي للبدعة ، أو كما يدعي بعضهم الإجماع فكيف نشأت تلك البدع ، وأصبح لها أتباع ؟؟؟؟؟!!!

د سليمان الضحيان - بريدة

 

القائمة الرئيسية

جديد مكتبة الصور

جديد مكتبة البطاقات

جديد مكتبة الأخبار

جديد مكتبة الجوال


جديد مكتبة الصوتيات


Powered byبرنامج الموقع الشامل انفنتيv2.0.5
Copyright © dciwww.com
Copyright © 2008 www.alqodhat.com - All rights reserved


الصور | المقالات | البطاقات | الجوال | الأخبار | الفيديو | الصوتيات | المنتديات | الرئيسية