خريطة الموقع
السبت 20 يناير 2018م

تيار التمرد القضائي  «^»  إلا تسييس القضاء..!  «^»  200 قَاضٍ ونص هزيل  «^»  العرائض المسيّسة !  «^»  القضاء ليس حزباً سياسياً  «^»  إيهٍ أيّها القضاة  «^»  لا تلتفتوا إلى هؤلاء  «^»  إذا كان خصمك القاضي فمن تقاضي ؟!  «^»  أخيرا: 510 قضاة ينتصرون لمطالبنا القديمة!  «^»  المناكفة ضد إصلاح القضاء! جديد المقالات
أمر ملكي: يعاقب بالسجن كل من شارك في أعمال قتالية خارج المملكة أو الانتماء للتيارات أو الجماعات الدينية والفكرية المتطرفة  «^»  محافظ هيئة الاستثمار يزور مشروع الملك عبدالله لتطوير مرفق القضاء  «^»  أمر ملكي بترقية وتعيين (40) قاضياً بوزارة العدل  «^»  فتح مكتب لخدمة أصحاب الفضيلة القضاة  «^»  اجتماع تنسيقي لتهيئة محاكم الاستئناف بالمملكة لتطبيق نظامي المرافعات الشرعية والإجراءات الجزائية  «^»  التصريح الصحفي بشأن جدول أعمال الاجتماع السادس  «^»  بمشاركة عدد من القضاة.. وزارة العدل تنظم برنامج في القضاء الجماعي  «^»  الشورى: آراء الأعضاء في وسائل الإعلام لا تعبر بالضرورة عن رأي المجلس  «^»  حملة تصحيحية لضبط العمل القضائي في السعودية تقاوم بمعترضي مشروع الإصلاح والتطوير  «^»  معاناة المرأة السعودية داخل المحاكم .. بين تأجيل الجلسات ومماطلة الأزواج جديد الأخبار


المقالات
زاوية : الباحث نواف القديمي
من يقف في وجه الغلو؟



بين المُحافظين والإصلاحيين.. تساؤلات مشروعة (2)

من يقف في وجه الغلو؟

نواف القديمي

كان ذلك في رمضان، في بداية دراستي الجامعية.. حيث شهدتُ موقِفين مُتتابعين حدثا في المسجد الذي أصلي فيه، أثارا عندي تساؤلاً كبيراً..

ففي أحد الأيام وقف شيخ ليلقي موعظة قصيرة في فترة الاستراحة بين ركعات صلاة التراويح، وفي ثنايا كلمتهِ أشار بشكل عارض وسريع إلى أن الأخذ من اللحية مسألة خِلافية.. فما كاد هذا الشيخ ينتهي من إلقاء كلمته، إلاّ وبادره عدد من المُصلّين لمُناصحته والإنكار عليه، بل وعلّق إمام المسجد بعد انتهاء الصلاة بأن هذه المسألة فيها فتح لباب التساهل بشعائر الإسلام!

وبعد ذلك بيومين فقط، وفي ذات المسجد، وقف شيخ آخر في فترة الاستراحة ليُلقي كلمة عن التوحيد.. وفي ثنايا كلمته حكى قصة مفادها أن طالباً في المرحلة الثانوية كان يقرأ في باحة المدرسة كتاب (كشف الشبهات)، فاقترب منه أحد المُعلمين وشاهد الكتاب الذي بين يديه فقال له: (يجب أن تعتني بدروسك أولاً قبل أن تقرأ كُتُباً خارجية).. هنا قال هذا الشيخ بغضب: كيف يأمر المُعلّم هذا الطالب بترك قراءة التوحيد؟! هذا المُعلّم قد كفر والله بكلمته هذه!!

هنا انتابتني الدهشة من استسهال هذا الشيخ للتكفير، وصرتُ أترقب أن أجد أحداً ممن أنكر قبل يومين على الشيخ السابق كي يُنكر أيضاً على هذا الشيخ.. فلم يتحرّك أحد!.. وأيضاً لم نسمع توضيحاً من إمام المسجد حول هذه المسألة!

هذان الموقفان طرحا عندي تساؤلاً كبيراً لم تزده الأيام إلاّ رسوخاً:

هل للغلو مشروعيّة في مُجتمعنا؟!

لماذا لا نكادُ نجدُ أحداً يُنكر على من (يتشدّد)، في ذات الوقت الذي نجد فيه أفواجاً من المُنكرين على من (يتسامح)؟!

وأنا هنا لا أعني بـ (التشدّد) وفق تقييمي الشخصي.. بل أقصد بـ (التشدّد) وفق الفقه السائد في البلد.. أي أننا نسمع بين الفينة والأخرى فتاوى وأقوالاً مُتشدّدة لم يقل بها أحد من العُلماء المحليين، ومع ذلك لا نجد أحداً يُنكر على المُتشدّد.. ولو تضمّن هذا التشدّد تكفيراً وغلواً واضحين.. بل ربما يرى بعض العلماء وطلبة العلم أن هذا التشدّد هو من فرط التقوى والورع المحمود الذي يجب أن يُدافع عنه، لا أن يُنكر عليه!

بعد تلك الحادثة بسنتين، وتحديداً في العام 1998م ـ أي بعد شهور من تأسيس ابن لادن والظواهري للجبهة الإسلامية العالمية لمحاربة اليهود والصليبيين ـ بدأ التيار التكفيري الجهادي ينشط في الوسط الشرعي في السعودية بشكل واضح عبر الفتاوى والرسائل والاستقطاب الميداني، وبعد ذلك عبر الكثير من مواقع الإنترنت.

وكانت الفترة بين عامي 1998م و 2003م صاخبة ومُمتلئة بالنشاط الفكري والاستقطاب الميداني للتيار الجهادي ـ خصوصاً بعد تفجيرات 11 سبتمبر ـ وكانت الكتابات والرسائل والفتاوى والمقالات والحوارات التي تَصدَّر لها بعض المُنظرين الشرعيين لهذا التيار من أمثال ناصر الفهد، وعلي الخضير، وأحمد الخالدي، وعبدالعزيز الجربوع، ويوسف العييري، وفارس بن شويل الزهراني، وعبد الله الرشود، وآخرون سواهم، تُمهد الطريق للعمل الجهادي العُنفي، وتحمل كثيراً من أفكار التكفير والغلو، وصار يتداولها آلاف الشباب الذين راجت بينهم أيضاً كتب أبو محمد المقدسي ("ملة إبراهيم" و "الكواشف الجليّة في كُفر الدولة السعودية")، وكتب أبو قتادة الفلسطيني وسيّد إمام (الدكتور فضل) وسواهم، وبدأ التيار الجهادي يستقطب المِئات من شباب الصحوة في مرحلة يُمكن تسميتها بـ (مرحلة قعدنة الصحوة)!

على الرغم من أن أي باحثٍ عاش في ثنايا الحالة الإسلامية سيعرف بوضوح أن الإسلاميين الحركيين كانوا في حالة خِلاف فكري وشرعي مع أدبيّات التيار الجهادي المحلي (وهو الأمر الذي يحاول بعض الليبراليين نفيه وإظهار هذين التيارين "الجهادي والحركي" وكأنهما مُتفقان وفي حالة انسجام فكري وشرعي، بل إظهار المجموعات الحركية وكأنها ذراعٌ علني للمجموعات الجهادية!)، وكان الحركيّون يُحذرون شبابهم في الجلسات الخاصة والندوات المغلقة من التأثر بالفكر الجهادي..

ولكن التحذير كان دائماً يدور في أُطُر داخلية وحركيّة ضيقة لا تصل غالباً سوى لأعداد محدودة من الشباب المُنتمي حركياً ـ وهم الأقل في المشهد الديني المحلي ـ.. أما على مستوى الخِطاب العام والمُواجهة العلنيّة للفكر الجهادي، والنقاش العلمي والشرعي التفصيلي للأدبيّات الجهاديّة (وهي التي كانت تستقطب المئات من الشباب المتديّن)، فلن يفعلوا أمامها سوى الصمت!!

هنا يتكرر السؤال التاريخي الكبير:

لماذا صمت العلماء التقليديون ورموز الصحوة ودعاتها عن مواجهة هذا الفكر الجهادي التكفيري في فترة رواجه وانتشاره وتأثيره على الشباب المتدين؟!

لماذا آثروا الصمت في المنابر العامة وهم يرون أمام أعينهم أفكار القاعدة وهي تستقطب شباب الصحوة الغضّ؟!

لماذا لم نسمع ردوداً أو نقاشات للفكر الجهادي التكفيري من قِبَل العُلماء ودعاة الصحوة إلاّ بعد أن بدأ التضييق على التيار الجهادي في العام 2003م؟!

ومن المسؤول عن عذابات آلاف الشباب المؤمن الصادق الذين يقضون سنين من القهر في الزنازين الداكنة البغيضة.. لماذا؟!.. لأنهم آمنوا بأفكارٍ ظنوها هي الدين وهي الشريعة وهي الخلاص للمجتمع المسلم.. ولأنهم لم يسمعوا أحداً من العُلماء يقف بوضوح في وجه هذه الأفكار، ويُعلن تشدّدها وغلوّها.

بالنسبة لي.. لم أجد جواباً لهذه الأسئلة سوى:

أن للغلوّ مشروعية في مجتمعنا.. لِذا يتجنّب العلماء وطلبة العِلم نقد مظاهر الغلوّ.. في ذات الوقت الذي نجد فيه عشرات الردود الشرعية والمواقف الحازمة لمن يطرح موقفاً أو فتوى مُتسامحة!.. وما قصة (بيان التعايش) عنا ببعيد!

طبعاً بعد أن واجهت الدولة هذا التيار بحزم قُبيل تفجيرات 12 مايو 2003م، وبعد أن صارت غالب كوادر التيار الجهادي إما في السجن أو تحت التراب ـ أي أن مواجهة الفكر الجهادي صار "قرار دولة" ـ هنا فقط شهدنا خروج عشرات الأصوات التي بدأت تتحدث عن خطورة التكفير والغلوّ!.. ولكن بعد ماذا؟!.. بعد خراب البصرة!

ومن الإنصاف هنا أن أُذكِّر بما كان يفعله بعض الشباب المتخصصين في الدراسات الشرعيّة ـ وباهتمام وحرص شخصي محض ـ من حوارات ناقدة وبعمق لأفكار التيار الجهادي في فترة ازدهاره ورواجه (بين 1998م و 2003م)، من أمثال الأخوين بدر العامر وسليمان الضحيّان وقليل سواهم، وقد لاقوا في سبيل ذلك كثيراً من العَنَت والاتهام ـ

أعتقد أن أي دراسة تهدف إلى تتبع فكرة (مشروعية التشدّد) في مجتمعنا خلال العشرين سنة الماضية ستجد لها عشرات الشواهد الحيّة التي تدل بوضوح على هذه الفكرة.. ولأنني لستُ في معرض التتبع التاريخي لهذه الفكرة.. سأورد فقط بعض النماذج التي مر بها مجتمعنا خلال العام المُنصرم.. أي خلال عامٍ واحدٍ فقط.

وهنا أكرر.. عندما أتحدث عن (التشدّد) في مسائل.. فلا أقصد هنا التشدّد وفق (تقييمي الشخصي).. بل أقصد التشدّد مقارنة بـ (السائد الفقهي) في مجتمعنا.. أي أنها أفكار وفتاوى لا يقول بها عُلماؤنا المُعاصرون.

فمثلاً:

1- لم يكن أحد من عُلمائنا يقول بأنه لا تجوز الصلاة خلف (المُخالف في مسألة فقهية).. فضلاً عن كونه قولاً غير مسبوق في التراث الفقهي (طبعاً الحديث هنا ليس عن الصلاة خلف الفاسق.. وإنما خلف شخص دفعه اجتهاده إلى المُخالفة في مسألة فقهيّة.. حتى على اعتبار أنه تأوّل النص فأخطأ.. لكنه مُتأوّل للنص في مسألة سبقه إليها غيره من العلماء).. ولكن عندما قال أحد العلماء بـ (عدم جواز الصلاة خلف من يُبيح الغِناء).. ماذا كانت النتيجة؟!.. كل الشرعيين الذين تحدثوا دافعوا عن هذا القول!! (رغم أنه لم يُعهد على أحد ممن تبنّوا الدفاع أن قال سابقاً بهذا القول)!

2- في قضية الاختلاط التي أثيرت بعد افتتاح جامعة كاوست.. كان هناك طرفان من طلبة العِلم كلاهما ينتمي إلى المدرسة الفقهية المحلية، وقد انقسما في موضوع الاختلاط إلى رأيين، هما:

ــ طرفٌ أول يرى إباحة بعض صوره، ويقول ما مُلخصه: إن الاختلاط مُصطلح حادث، وأنه كان يجري في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام وفي كل المجتمعات الإسلامية في السوق والمسجد وسواهما، وأن المُحرّم هو (الخلوة) وليس (الاختلاط).

ــ طرفٌ ثانٍ يرى تحريمه ويقول ما مُلخصه: إن الاختلاط ليس مصطلحاً حادثاً، بل هو موجود في المدونات الفقهية، وإن ثمة اتفاقاً على تحريمه، وأن مشكلة الفريق المُجيز أنه لا يُفرِّق بين (الاختلاط العارض الجائز/ كما في السوق وفي المسجد الحرام)، و (الاختلاط الدائم المُحرّم/ كما في قاعات الدراسة ومواقع العمل).. وقد تبنت حتى أكثر الشخصيات الشرعية إغلاظاً في الإنكار هذا القول بالتفريق بين الاختلاط (العارض والدائم)، من أمثال عبدالعزيز الطريفي وإبراهيم السكران وسواهما.

وفي سياق هذا السجال بين الفريقين.. خرج أستاذ جامعي في كلية الشريعة ليأتي بقول غير مسبوق في الفقه المحلي!، مفاده (حُرمة الاختلاط العارض)، حيث يقول: إن الاختلاط في المسجد الحرام ـ وفي الطواف تحديداً ـ مُحرّم بالاتفاق!، وإنه يدعو إلى هدم المسجد الحرام وإعادة بنائه على شكل أدوار تُوزَّع بين الرجال والنساء كي يتم الفصل الكامل بينهما.. ثم أطلق حُكماً مُرعباً حين قال: (إن القول بجواز الاختلاط في الطواف هو من شُبه المُنافقين!! وإن أولئك الذين تحدثوا عن حُرمة "الخلوة" لا "الاختلاط" هم "المُنافقون الخُلّص الذين لا يعرفون الدين ولا الصلاة ولا القرآن ولا السنة")!!

و على الرغم من أن هذا الوصف بالنفاق طال (كل المُجيزين للاختلاط في الحرم) وعلى رأسهم أولئك الذين (حرّموا الاختلاط) ولكن فرّقوا بين الجائز منه وهو (الاختلاط العارض كما في السوق والمسجد الحرام)، والمُحرّم منه وهو (الاختلاط الدائم كما في قاعات الدراسة ومواقع العمل).. أي أن الوصف بالنفاق طال كِلا الفريقين (المُجيز والمُحرّم)، فضلاً عن وصفه لمن فرّقوا بين "الخلوة" و"الاختلاط" ـ وفيهم علماءٌ كبار وطلبة علمٍ من داخل المملكة وخارجها ـ بأنهم من (المُنافقين الخُلّص الذين لا يعرفون الدين ولا الصلاة ولا القرآن ولا السنة)!!.. إلاّ أن النتيجة في الواقع الشرعي كانت مُدهشة!.. حيث لم يعترض أحد على هذا القول وعلى اتهام النوايا ووصم عُلماء وطلبة عِلم بالنفاق رغم الشناعة الشرعية لهذا القول!.. بل والأكثر دهشة أن جميع طلبة العلم الذين تحدثوا وشاركوا في سجال الاختلاط دافعوا عن هذا الشخص وعن قوله!!

3- لم يُعهد في التاريخ الفقهي المعاصر ولا القديم أن أقدم أحد الفقهاء على أمرين.. الأول: تجويز مسألة (التكفير باللازم)!.. والثاني: تحديداً في ذات المسألة وهي تكفير على من يرى (جواز الاختلاط)! باعتبار لوازمه!.. أكرر.. لم يُعهد عن أحد من عُلمائنا المحليين أن أطلق حكم التكفير على من يقول بجواز الاختلاط (ربما كان البعض يتّهم المُجيزين بالانحراف أو الضلال، لكن لم يصل الأمر يوماً للتكفير).. وأيضاً لم يُعهد عن أحد من عُلمائنا المحليين أن قرر مسألة (التكفير باللازم).

ولكن.. حين أقدم أحد العلماء على تقرير مسألة (التكفير باللازم)، وبناءً عليها أطلق حكم التكفير على (مُجيزي الاختلاط) وفيهم كثير من العُلماء الكِبار وطلبة العلم المُعتبرين.. ماذا كانت النتيجة؟! كل الشرعيين الذين تحدثوا دافعوا عن هذا القول! ولم نسمع صوتاً واحداً محسوباً على التيار الإسلامي المحافظ يختلف مع هذا العالم ويُنكر عليه قوله!!

4- لم يسبق أن أقدم أحد عُلمائنا المحليين على مُطالبة النساء بأن يَقُمن بتغطية وجوههن، وأن يلبسن الخِمار في مدارس البنات الخاصّة وفي الأعراس المُغلقة والخاصة بالنساء!!

ولكن.. حين أقدم أحد العُلماء على مُطالبة النساء بهذا الفعل.. ماذا كانت النتيجة؟!.. كل الشرعيين الذين تحدثوا دافعوا عن هذا القول!.. ولم نسمع صوتاً واحداً محسوباً على التيار الإسلامي المُحافظ يختلف معه علناً!!

5- خلال الثلاثين عاماً الماضية كان أكثر التيارات الإسلامية غلواً في التعامل مع (الإسلاميين المُخالفين) هو التيار الذي يُطلق عليه اسم (الجاميّة).. وكان أقصى ما فعله هذا التيار هو أن أخرج بعض الإسلاميين والدعاة من مُسمّى (السلفيّة).

ولكن حين أقدم أحد طلبة العلم على كتابة مقال أخرج فيه (الإسلاميين المُهتمين بالإصلاح السياسي) ـ ومُعظمهم من الدُعاة وطلبة العِلم الأفاضل ـ ليس فقط من دائرة (السلفيّة)، بل من دائرة (أهل السنة والجماعة)!، هذه الدائرة التي كانت طوال التاريخ الإسلامي وصفاً يشمل حتى عدداً من المذاهب العقدية المُخالفة لمذهب أهل الحديث.. ولم يتوقف الأمر على أن أخرج (الإصلاحيين السياسيين) من دائرة أهل السنة والجماعة، بل ووصفهم أيضاً بأشنع الأوصاف وأبشعها.. ثم ماذا كانت النتيجة؟!.. النتيجة أن أغلب الشرعيين الذين تحدثوا عن هذا الموضوع دافعوا عن هذه الأقوال، ولم يُنكرها أحد!!

ولنا فقط أن نتمعن ـ وبتأنٍ ـ في طبيعة المُمارسة التي حصلت مع شخص واحد فقط.. هو (عادل الكلباني).. حين أطلق قبل شهور قولاً مفاده (كفر علماء الشيعة) مُخالفاً به غالبية أهل العِلم المحليين الذين يعتمدون تقريرات ابن تيميّة بعدم وصفهم بالكفر.. فما كان من طلبة العلم سوى أن تتابعوا في الدفاع عن قول الكلباني!

ثم بعد شهور فقط يُطلق ذات الشخص (عادل الكلباني) قولاً يرى فيه جواز سماع المُوسيقاـ وهو أمر لا يعدو أن يكون خِلافاً في مسألة فقهية، لا تكفيراً وإخراجاً من الملّة ـ.. ولكن لأن هذا القول كان باتجاه (التسامح) لا (التشدّد).. توالت عليه الردود والشتائم، وانهال عليه التشنيع والإنكار بما لم يكن يتوقعه أحد!!

لا أريد أن أسترسل في ذكر شواهد إضافيّة، من أمثال (تكفير الليبراليين)!، و (الدعوة لقتل مُلاّك القنوات الفضائية قضاءً)! و (أنه يجب جعل مسألة تغطية المرأة لوجهها ـ رغم الخِلاف الفقهي الشهير ـ مسألة عقديّة لا فقهيّة)!... الخ.. وكلها نماذج لمواقف وفتاوى (متشدّدة) مُقارنة بالسائد الفقهي في مجتمعنا.. وكانت النتيجة في جميع هذه التجارب هي (الدفاع الدائم عن المُتشدّد)!!

كل هذه الشواهد التي حصلت في مُجتمعنا خلال مُدّة وجيزة ـ وسواها كثير ـ تؤكد أن لـ (التشدّد والغلوّ) مشروعية استثنائية في مُجتمعنا.. وأن المُزايدة في التشدّد تجري في شرايين التيار الإسلامي المُحافظ.. وستبقى مسؤولة عن كثير من ظواهر الغلوّ، التي قد تبدو تبِعاتها محدودة أحياناً، وقد تُحرِق الحرث والنسل أحياناً أخرى.

وفي المُقابل يُمكن لنا أن نتمعّن بحجم العُنف في الرد والبذاءة اللفظية والافتراء والتجريح الشخصي والطعن في العِرض والنية والشرف والاتهام بـ (النِفاق) الذي يطال بعض العلماء والدعاة حين يميلون إلى اختيارات فقهية مُتسامحة، أو يردون على فتاوى تميل للتشدّد.. وسنجد أن كل هذه البذاءات والافتراءات تحصل في مواقع تديرها شخصيات إسلامية محافظة ومعروفة.. أو تحصل في منتديات إسلامية يكتب بها الكثير من الشخصيات المُحافظة بأسمائهم الصريحة.. ولكننا لم نسمع يوماً أحداً من هذه الشخصيّات خاطب روّاد البذاءة والفُحش والافتراء وقال لهم: اتقوا الله في أعراض المسلمين!

وقصة العُنف والفُحش في الردّ على المواقف والفتاوى التي تميل إلى التسامح طويلة، كما حصل مع (من أفتى بجواز الاختلاط)، و (عادل الكلباني وفتوى إباحة الموسيقا)، و (سلمان العودة وقائمة من الفتاوى والمواقف)، و (حاتم الشريف ونقد هيئة كبار العُلماء)، و (عائض القرني وفتوى جواز كشف المرأة لوجهها)، و (عبد الله بن بيّة وعبدالوهاب الطريري في مؤتمر ماردين)، و (علي العمري وجواز الإيقاع)، وقائمة أخرى مُمتدة من الشواهد التي حصلت خلال عام واحدٍ أو عامين فقط!.. وإذا ما أردنا أن نتتبع الشواهد خلال عقد واحد من الزمان، فسنخرج بعشرات التجارب التي تُشير بوضوح إلى ذات المعنى.

وفي هذا الموضوع تحديداً ـ وللإنصاف ـ تجدر الإشارة إلى أن حالة (المُزايدة) و (مشروعيّة التشدّد) هي مُمارسة حاضرة عند عدد من تيارات المشهد الثقافي.. فمثلاً من يقترب من دائرة المُنتمين لمسار (الإصلاح السياسي) سيلمس بوضوح أن هناك دائماً مشروعية لـ (التصعيد السياسي)، وقد يُشار أحياناً إلى من يدعو للتهدئة أو تخفيف حِدة الخطاب إلى أن دوافعه إما (خوف) أو (مصلحة)!.. لذلك بدأت بعض المجموعات الإصلاحية في تصعيد مُطالباتها السياسيّة بشكل غير مُتدرّج، ويفتقر لكثيرٍ من الذكاء السياسي ـ فضلاً عن الواقعيّة والعمليّة ـ فيما استطاعت مجموعات أخرى أن ترفض هذا التصعيد وتنأى عن المُشاركة فيه.

وكذلك في الفكر الليبرالي أو الاتجاه الحداثي يلحظ المُتابع أن هناك دائماً مشروعية لـ (التحرّر وتجاوز الشريعة).. فمهما أتى المُنتمي إلى هذا التيار بأقوال وأفكار كانت أكثر تحرّراً وأبعد عن الدين ـ وقد تصل إلى مرحلة التجديف أو حتى الإلحاد ـ فربما لن يجد أحداً يعترض عليه أو يُناقشه.. ولكنه سيجد الكثيرين مُستعدين لمخالفته ونقده حين يُبدي فكرة مُحافظة يكون فيها أقرب للتيار الإسلامي!

لذلك فالحديث عن (مشروعية التشدّد) لا يعني أنه سلوك خاص بالإسلاميين، بل هو مساحة تتلاقى فيها بعض التيارات الفكرية.. ولكنه في الحالة الإسلامية قد يستدعي مزيداً من الاهتمام لأمرين اثنين..

الأول: لأن هذا التشدّد يصدر باسم (الدين والشريعة)، وقد يصل بمُعتنقه إلى التكفير والتفجير..

والثاني: يرجع إلى الامتداد والحضور الواسع للتيار الإسلامي في المجتمع، لا كما التيارات والمجموعات الأخرى التي قد تُشكل جيوباً صغيرة ومعزولة عن المُجتمع.

* * * *

خلال السنين الماضية، كنتُ أكرر دوماً القيام بتجربة بسيطة.. فعندما ألتقي بعض طلبة العلم المُحافظين ممن يُمارسون العمل الكتابي ويُشاركون في النشاط الفكري.. أبادرهم أولاً بسؤال: ما رأيكم بالتكفير الذي أطلقه الشيخ الفلاني؟.. فيُجيبونني: لا، هذا الفعل تطبيق خاطئ للقواعد الشرعية.. فأقول لهم: حسناً، وما رأيكم بعُنف وبذاءة بعض المُتصدرين للدفاع عن القضايا الشرعية في ردهم على مُخالفيهم كما يفعل فلانٌ وفلان؟.. فيُجيبون: لا نوافقهم على أسلوبهم ونراه غِلظة وفجوراً في الردّ.. فأضيف: وما رأيكم بالفتوى الفُلانية والسلوك الفلاني والاتهامات الفلانية؟.. فيجيبون بأنهم يختلفون معها.

وبعد أن أورد عليهم الكثير من نماذج الغلوّ في مجتمعنا.. وأتأكد من اختلافهم معها.. أقول لهم: أنتم قُمتم مراراً ـ وبعضهم عشرات المرّات ـ بكتابة مقالاتٍ وردودٍ على أفكارٍ ترونها مُتساهلة وفيها تمييع للشريعة، وهذا دون شك حق مشروع وفعل مأجور.. لكن.. هل يُمكن أن تكتبوا مقالاً واحداً صريحاً ـ وبكل لطف وأدب ـ تنتقدون فيه فتوى التكفير التي أطلقها الشيخ الفلاني، أو تُنكرون على فلانٍ وفلانٍ بذاءتهم في الرد على مُخالفيهم؟!

الحقيقة المؤسفة، أنني في كل المرّات التي طرحتُ فيها هذا السؤال، لا أجد من هؤلاء الإخوة الأفاضل سوى الصمت! أو تبرير عدم قدرتهم على هذا الفعل بأسباب شخصية! أو غير ذلك.. لكن تبقى النتيجة المُهمة الشاخصة أمامنا هي: لا أحد مُستعد لنقد ما يراه هو (تشدّداً)، في ذات الوقت الذي يُبدي فيه ذات الشخص كل الاستعداد لكتابة العديد من المقالات ضد ما يراه (تساهلاً)!!

ثمة من يقول أن هناك رسائل وكتباً أصدرها بعض العُلماء وطلبة العِلم في ذم الغلوّ.. وهذا صحيح.. ولكنها عمليّاً لا تعدو أن تكون (مجرد تنظير).. أي حديثٌ على مستوى القواعد والأصول.. أما المُمارسة الميدانية فعلى النقيض من ذلك.. حيث نجد أن المشهد الشرعي أمام (التشدّد) ينقسم إلى فريقين، إما التأييد والمُساندة، أو الصمت!.. وبالمُناسبة.. يجدر هنا أن أُذكِّر بأنه حتى (عبد الكريم الحُميد) ـ الذي يرفض التعليم النِظامي والعُملات الورقيّة والسيارات...الخ ـ عنده رسالة في (ذمّ الغلوّ)!

وطبعاً هنا يتكرر دائماً المسوّغ الذي يتكئ عليه مُسوّغو الصمت عن فتاوى (التشدّد) هو قولهم: إننا في خِضّم معركة فكرية مع الليبراليين، وليس من الصواب الآن أن ننقُد الأخطاء؛ لأن الخصوم لن يوفروا استغلال مثل هذا النقد في تشويه الحالة الإسلامية.. وقد ناقشت هذا الاعتراض في المقال الأول بشكل وافٍ.

علماً بأن هذا التبرير سيؤدي دون شك إلى نتائج لا تُحمد عقباها.. تتمثل في أنه يجب أن نُدافع عن أي (مُتشدّد) حتى لا نسمح لليبراليين بالنيل منه!.. وهو أمر يُشير إلى أن مسألة الاستقطاب والخندقة في مُجتمعنا باتت مُرعبة.. وصارت جسراً للدفاع عن كل أفكار الغلوّ.. وأن ثمة ثقافة تكرّست في المُجتمع مفادها أن (نقد الغلوّ) هو خذلانٌ لهذا الشيخ أمام الليبراليين الخصوم!.. والنتيجة.. دفاعٌ عن كل غلوّ.. والضحية الوحيدة هو صوت الاعتدال الإسلامي الذي ضاع في ثنايا الغبار المُنبعث من حُمّى صراع الإسلاميين والليبراليين.

وأمام هذا المنّطق.. أعتقد أن أمام (الإسلاميين الإصلاحيين) دوراً تاريخياً وشرعياً وأخلاقياً في ضبط توازن الحالة الإسلامية، والوقوف في وجه الغلوّ بنفس الحزم الذي يرفضون فيه تغريب المجتمع وانحلاله وسيولة مبادئه وقيمه.. فضبط إيقاع التوازن، والرُّشد، وعدم الانجراف نحو اليمين أو اليسار تحت صخب المعارك وضجيج المُشاحنات، وعدم فقدان بوصلة الحق والعدل واستشراف مصلحة الأمة وفق مُعطيات الواقع ووفق المُمكن والمُتاح، وعدم التيه في مسارب المسائل الصغيرة وإهدار قضايا الأمة الكبرى حول الحقوق والعدل والشورى ووقف هدر المال العام، هو الدور التاريخي الذي يجب أن يُحافظ عليه الإسلاميون الإصلاحيّون.

نحن في سكوتنا عن الأخطاء، نُقدِّم مَقتلنا على وِسادة ناعمة للخصوم.. كي نُثبت صحة دعواهم أن الإسلاميين هم (منظومة) خارج التاريخ، وغير قابلة للتطور إلاّ بعصا السُلطان!، وأن بابها المُوصِل إلى الانفتاح والتسامح والتحضّر موصد دائماً.. وأن بابها المُوصِل إلى الغلوّ والتشدّد والعنف مُشرع على مِصراعيه.. هذا بالضبط ما يتمناه الخصوم.. وهذا بالضبط ما يُقدّمه لهم بعض الإسلاميين على طبق من ذهب

نشر بتاريخ 12-10-2010  


أضف تقييمك

التقييم: 4.31/10 (739 صوت)


 

القائمة الرئيسية

جديد مكتبة الصور

جديد مكتبة البطاقات

جديد مكتبة الأخبار

جديد مكتبة الجوال


جديد مكتبة الصوتيات


Powered byبرنامج الموقع الشامل انفنتيv2.0.5
Copyright © dciwww.com
Copyright © 2008 www.alqodhat.com - All rights reserved


الصور | المقالات | البطاقات | الجوال | الأخبار | الفيديو | الصوتيات | المنتديات | الرئيسية