خريطة الموقع
السبت 20 يناير 2018م

تيار التمرد القضائي  «^»  إلا تسييس القضاء..!  «^»  200 قَاضٍ ونص هزيل  «^»  العرائض المسيّسة !  «^»  القضاء ليس حزباً سياسياً  «^»  إيهٍ أيّها القضاة  «^»  لا تلتفتوا إلى هؤلاء  «^»  إذا كان خصمك القاضي فمن تقاضي ؟!  «^»  أخيرا: 510 قضاة ينتصرون لمطالبنا القديمة!  «^»  المناكفة ضد إصلاح القضاء! جديد المقالات
أمر ملكي: يعاقب بالسجن كل من شارك في أعمال قتالية خارج المملكة أو الانتماء للتيارات أو الجماعات الدينية والفكرية المتطرفة  «^»  محافظ هيئة الاستثمار يزور مشروع الملك عبدالله لتطوير مرفق القضاء  «^»  أمر ملكي بترقية وتعيين (40) قاضياً بوزارة العدل  «^»  فتح مكتب لخدمة أصحاب الفضيلة القضاة  «^»  اجتماع تنسيقي لتهيئة محاكم الاستئناف بالمملكة لتطبيق نظامي المرافعات الشرعية والإجراءات الجزائية  «^»  التصريح الصحفي بشأن جدول أعمال الاجتماع السادس  «^»  بمشاركة عدد من القضاة.. وزارة العدل تنظم برنامج في القضاء الجماعي  «^»  الشورى: آراء الأعضاء في وسائل الإعلام لا تعبر بالضرورة عن رأي المجلس  «^»  حملة تصحيحية لضبط العمل القضائي في السعودية تقاوم بمعترضي مشروع الإصلاح والتطوير  «^»  معاناة المرأة السعودية داخل المحاكم .. بين تأجيل الجلسات ومماطلة الأزواج جديد الأخبار


المقالات
زاوية : الباحث نواف القديمي
من يواجه عَلمَنة المُجتمع؟



بين المحافظين والإصلاحيين..تساؤلات مشروعة (3)

من يواجه عَلمَنة المُجتمع؟

نواف القديمي


ربما بدت أكثر القضايا التي يَجهَد الخطاب الإسلامي المُحافظ في مواجهتها تتمثل في قضايا التغريب وطمس الهوية وتذويب القيم الشرعية، أي ما يمكن إجماله بـ (مُواجهة عَلمَنة المجتمع).

وبعيداً عن مساحة الخِلاف الفقهي ومدى (تسامح أو تشدّد) الخطاب الديني المطروح.. فإن أي متابع مُنصِف لهذا الخِطاب سيصل دون شك إلى نتيجة مفادها أن التيار الإسلامي المُحافظ مهموم بهذا الأمر، ويبذل جهوداً حثيثة في مواجهة التغريب والعَلمَنة.. وهي جهود في مُجملها

ضرورية ومشكورة للحفاظ على تديّن المُجتمع ومُحافظته.

وبرأيي إن مشكلة هذا الخطاب لا تتمحور في (طبيعة الجهد المبذول) ولا في (اتجاهه).. بل في (مساحة الحركة) التي اختار أن يقتصر عليها، وفي (مقدار الجُرعة الدينية) التي يريد أن يحقنها في شرايين المجتمع.

وبدوره فإن الخطاب الإسلامي (المُحافظ) دائماً ما يتّهم الخطاب الإسلامي (الإصلاحي) بأنه غير مهموم بمُواجهة عَلمَنة المجتمع وتغريبه.. وأودّ هنا مُناقشة هذه الدعوى ببعض الإيجاز.

برأيي المتواضع أن مُشكلة الخطاب الإسلامي المُحافظ في هذا الموضوع تحديداً تتمثل في عدة محاور:

1- أن الخِطاب المُحافظ لا يُميّز أحياناً بين (التغريب) و (تطوّرات الحداثة).. بحيث يتعامل مع كثير من مُنتجات الحداثة ـ وليس غالبها ـ على أنها مُنتجات تغريبيّة.. وهذا ما يجعل المُجتمع دائماً أمام سلسلةٍ لا تنتهي من (معارك المُواجهة).. دون أي مُحاولات للتمييز بين (المَضامين الفكرية) التي يجب رفض ما هو غير مُلائم منها، و(الوسائل) التي يُمكن أن تُستخدم في الخير كما في الشر (كما حصل في مواجهة دخول البرقية، الإذاعة، التلفزيون، تعليم البنات، الدش، الإنترنت، جوال الكاميرا.....الخ)، بل وقد يصل الأمر إلى المُمانعة والتحفّظ ورفض الدعم ـ وربما التحذير ـ للمشروعات الإعلامية الإسلامية في بداية نشأتها (مجلاّت، قنوات...الخ).

2- أن الخطاب الإسلامي المُحافظ كثيراً ما يفقد القدرة على (تقدير المُمكن)، لذلك يخوض معارك عنيفة ضد كل مُنتج تغريبي دون أن يقوم بدراسة هذا المُنتج وفق المناخ السياسي والاقتصادي السائد، وذلك بهدف تمييز بين ما (يمكن) وما (لا يمكن) مواجهته.. ولذلك يخوض هذا الخِطاب ذات المعركة وبنفس الحِدة والعنف ضد كل المُنتجات التغريبية.. وهذا لا يعني بالطبع قبول المُنتجات التغريبية التي لا يمكن مواجهتها، بل يمكن رفضها والتحفظ عليها، ولكن ما أعنيه هو عدم إشعال معارك خاسرة قد تُوظّف فيها الفتاوى بشكل تكتيكي بهدف التشنيع والردع، وتُستنزف فيها الجهود، رغم أن النتيجة كانت واضحة مُنذ البداية.

3- أيضاً فإن الخطاب المُحافظ كثيراً ما يفتقد لـ (الذهنية السياسيّة) في إدارة المعارك، تلك التي تعتمد على حسابات (المُمكن والمُتاح)، وعلى القبول بـ (الحلول الجُزئيّة)، وهو ما يستدعي دوماً الدخول في التفاصيل، وقبول أنصاف الحلول وربما أرباعها، فضلاً عن الابتداء بطرح مُبادرات تكتفي بالسعي للتقدم بخطوات نحو الأمام، لا قلب الطاولة وتغيير المشهد بالكامل.

وهذه الجزئية تحديداً بحاجة إلى شرح مطوّل ليس هذا موضعه.. ولكن للتقريب فقط ـ وعلى سبيل المثال بالطبع ـ لنُفكر في نوعية المَطالب التي سيتقدم بها التيار المُحافظ في حال تقدم مثلاً رئيس مجلس إدارة قناة الـ (MBC ) لعدد من رموز هذا التيار، وسألهم عن طبيعة مَطالبهم لما يجب أن تكون عليه هذه القناة.. وعندها سنرى الفرق بين من يريد (مسح الطاولة) والمطالبة بـ (منع المخالفات الشرعية في هذه القناة) ـ وذلك يعني تحويلها إلى ما يُشبه قناة المجد ـ وهو ما يدخل في إطار الحلول الجذريّة غير المُمكنة عمليّاً.. وبين من يملك الاستعداد بأن يتقدم ـ بل ويُبادر دون طلب ـ بأفكار ومَطالب جُزئية تفصيليّة تكون وفق المُمكن، من نوع (عدم بث أغاني الفيديو كليب، واحتشام ملابس النساء، وتحسين اختيار مضامين الدراما، وسوى ذلك).

وهذا المِثال مجرد نموذج تقريبي لما عنيته بـ (الذهنيّة السياسيّة) في التعامل مع المؤسسات والدوائر والأفكار، بين من يقبل بل ويُطالب بالحلول الجزئية (المُمكنة)، وبين من يُطالب دائماً بحلول جذرية، ولا يُحقق فِعلياً أي تقدم على الأرض.

4- أحياناً لا يتعامل الخطاب المُحافظ مع قضايا، بل مع أشخاص.. وينتج عن هذا السلوك الوقوف في وجه أي قرارات أو جهود أو أفكار تصدر من (أشخاص مُحدّدين) ولو كان فيها خير للمجتمع (كالوقوف في وجه قرارات تأنيث المحالّ النسائية، توسعة المسعى، إصلاح القضاء، تطوير مناهج التعليم، قرار دمج رئاسة تعليم البنات بوزارة التربية....الخ).

5- أن غالب الخطاب المُحافظ بات (خطاب ردود) قائماً على المعارك والمُواجهة.. بل وبرزت فِئة من المُتصدّرين صارت تعتاش على الخطاب التصعيدي والمواجهات الكلامية، حتى صار (التصعيد) بالنسبة لها (مُبرر وجود) تحت الأضواء! فلا تكاد تجد لها أي مُساهمة في مشروع بنائي أو تقديم رؤى لحل مُعضلات فكريّة أو شرعيّة أو تنمويّة، أو حتى نقداً بنّاءً وتفكيكاً علمياً للظواهر والأفكار.. وهذا ما جعل مُجمل الظاهرة الإسلامية المُحافظة بعيدة عن المُساهمة في (مُبادرات إنتاج الحلول).. فأصبح المشهد مُقسّماً بين (دوائر غير إسلامية) ـ بعضها تغريبي ـ هي من تُنتج التصورات وتصنع الحلول، ودوائر إسلامية تقليدية وحركية مهمومة فقط بالرفض والمواجهة!

6- أن الخطاب المُحافظ في سعيه لمواجهة النزعات التغريبيّة يقوم فقط بـ (مواجهة القرار) دون أي مجهود يُذكر في مُحاولة (إصلاح النظام الذي يتخذ القرار).. أي أنه يكتفي بـ (مواجهة النتائج)، بدل أن يسعى إلى (إصلاح الأسباب).. بل وتزداد المُشكلة وتتفاقم حين نُدرك أن التيار الإسلامي المُحافظ حتى الآن عاجز عن إنتاج (تصوّر نظري) لهيكلية الإصلاح المطلوب في النِظام السياسي.. لذا هو غالباً لا يتجاوز المُمارسات التقليدية في إسداء النُصح وإنكار المُنكر!

في المقابل..

كيف يسعى الخِطاب الإسلامي الإصلاحي لمواجهة التغريب وعَلمَنة المُجتمع؟

وابتداءً يجدر التأكيد على أنه ليس ثمة أحدٌ من رموز التيار الإسلامي الإصلاحي يرفض مبدأ مواجهة التغريب وعَلمَنة المُجتمع.. ربما يختلف بعضهم مع التيار المُحافظ في تفاصيل القضايا والموضوعات والمُنتجات التي يجب أن تواجه.. ولكن في أصل ومبدأ مواجهة التغريب، فليس ثمة خلاف حول ذلك.. بل مُعظمهم صرَّح بأن هذا العمل هو من الجهد الضروري والمشكور.

لكن التيار الإسلامي الإصلاحي ينتقد بوضوح اكتفاء التيار المُحافظ بـ (مواجهة القرارات والنتائج)، دون أي جهود تُذكر في محاولة (إصلاح النظام الذي يتخذ القرار).. لذلك يسعى الإصلاحيّون إلى القيام بسد هذا النقص الكبير.. فتتكثف جهود الكثيرين منهم في هذا المجال عبر مسارين: المُطالبات الإصلاحية والنشاط السياسي العملي.

2- التثقيف النظري عبر الكتابة والتأليف في قضايا الإصلاح السياسي ورسم معالم الهيكلة السياسية المطلوب تنفيذها في النِظام السياسي.

ويصبّ كِلا هذين المسارين في سبيل المُشاركة الشعبية في القرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي، والحدّ من هدر المال العام، وإيقاف نزيف الفساد، وفصل السلطات الثلاث (التنفيذية والتشريعية والقضائية) لضمان استقلالها ونزاهتها، وتمكين مُمثلي الأمة المُنتخبين من المُحاسبة والمراقبة لأداء السُلطة السياسية والدوائر التنفيذية.

هذه المُطالبات التي تُمثِّل صميم الإصلاح الهيكلي للنظام السياسي، ستُساهم دون شك في إغلاق كثيرٍ من منافذ التغريب والعَلمَنة التي قد تأتي عبر تساهل السلطة السياسية أو ربما بقرار منها، وستُساهم أيضاً ـ باعتبار المُشاركة في القرار والثروة ـ في بناء بدائل مُحافظة للمؤسسات والمنظمات ووسائل الإعلام التغريبية.. وفي نفس الوقت ستُساهم في استقلال القرار السياسي عن هيمنة الأجنبي، وإصلاح أوضاع الناس المادية، وتطوير الخدمات، ورفع الظُلم، وسواها من أمور تقع في مراتب مُتقدمة في سُلّم الأولويات الشرعيّة.. ولكن لكونها ليست مدار حديثنا هنا فلن أتوسع في الحديث عنها.

وعلى الرغم من انصراف كثير من الإصلاحيين لتولي هذه المَهمّة ـ ذات الضريبة السياسية والأمنية ـ، إلاّ أن بعضهم انصرف أيضاً للإصلاح الشرعي والاجتماعي والأخلاقي والثقافي.. ومع أنني لم أكن راغباً في ذكر نماذج لتنوّع الإصلاحيين في مسارات العمل لـ (مواجهة التغريب وعَلمَنة المُجتمع) بهدف عدم الدخول في مساحة (الأسماء)، إلاّ أن الإشارة إلى بعض هذه النماذج قد يُساهم أكثر في تقريب الصورة المقصودة.. لذا سأكتفي بذكر أربع تجارب لأربعة أشخاص، جميعهم يقعون اليوم خارج إطار التيار الإسلامي المُحافظ، وفي صميم التيار الإسلامي الإصلاحي.

1- د.سلمان العودة في (الإصلاح الاجتماعي والأخلاقي والثقافي):

الذي يُركز جُل جهوده ونشاطه من أجل توفير بيئة اجتماعية مُتدينة ومُتسامحة، تستطيع المواءمة بين ضغوط العولمة والانفتاح وتمدّد وسائل الإعلام والاتصال بما تحمله من مضامين غير لائقة، وبين تديّنها والتزامها الأخلاقي والسلوكي، وذلك بهدف خَلق حصانة فكرية وسلوكية عند فئات واسعة من المُجتمع تتعرض يومياً وبكثافة للحُمولات الثقافية والاجتماعية الغربية.. لذا يَجهَد سلمان العودة عبر شبكة كبيرة من البرامج والكتب والمقالات والمؤسسات الإعلامية والتربوية، لتصحيح المفاهيم الأخلاقية والثقافية، ونشر القيم الشرعيّة المُتسامحة، ووقف اندفاع فئات من الشباب نحو الأفكار والسلوكيات التغريبية التي يضخها الإعلام صباح مساء، وتوجيههم نحو العمل المدني المُنتج في المجتمع، وتوسيع دائرة الخِطاب لتشمل شرائح واسعة من المسلمين في العالم العربي وفي دول المَهجر.

وضمن هذه المساحة أيضاً تعمل مُنظمة (فور شباب)، ومؤسسة (وهج الحياة للإعلام)، ومُلتقيات النهضة، ومؤسسات أخرى عديدة.

2- د. حاتم العوني في (الإصلاح العلمي الشرعي)

وهو الذي يبذل وسعه في بعث النقد التصحيحي في الدراسات الشرعية.. وكما يعمل د.سلمان العودة في ضخ قيم التعايش والتعددية في الوسط الثقافي والاجتماعي، بهدف إيجاد فضاء شرعي مُتسامح يحول دون ثنائية (إما خيار التشدّد أو العلمانية).. يعمل د.حاتم العوني في ذات المسار، لكن على المستوى العلمي الشرعي الذي يُخاطب المتخصصين.. وذلك عبر اهتمامه بالتأصيل الشرعي للأطروحات الإصلاحية وشرعنة المطالبة بها: كفكرة التعايش والعلاقة بالمُخالفين في العقائد كما في كتابه الذي تناول موضوع التعامل مع الموصوفين بالبدعة.. وكالتسامح في التعامل مع الخِلاف الفقهي والحديث عن مراتب الاجتهاد في كتابه (اختلاف المُفتين).. وكما في نقده لبعض أصول التشدّد والغلوّ في كتابه (الولاء والبراء).. وكحديثه في كتابه (اليقيني والظني) عن المساحة الظنية في الأخبار ودورها في الخلاف وذلك من خلال المقارنة بين منهجي أبو الحسن الأشعري والمُحدثين.. إضافة إلى تأصيله لقيم التسامح والتعايش بأدوات شرعيّة رصينة وذلك في العديد من الفتاوى العلميّة المطوّلة ـ كما في موقع (الإسلام اليوم) وسواه ـ والبحوث والمقالات والحوارات الصحفيّة.

ويسعى العوني من خلال هذه الجهود إلى التأصيل العلمي للقيم الشرعية في التسامح مع المُخالف على ثلاثة مستويات، مع (المخالف الديني/ الولاء والبراء) و(المخالف المذهبي/ التعامل مع المبتدع) و(الخلاف الفقهي/ اختلاف المفتين).

وفي هذا المجال أيضاً تصب مساهمات ودراسات ومقالات عدد من طلبة العلم من أمثال بدر العامر ود. سليمان الضحيان ود. مسفر القحطاني وسواهم.

3- د. محمد الأحمري في (الإصلاح السياسي):

وهو المهموم بتوجيه الرأي العام الإسلامي في السعودية ـ عبر الإعلام والكتابة والتأليف ـ للاهتمام بقضايا الإصلاح السياسي المتكئ على (حق الأمة في المشاركة السياسية والرقابة على المال العام)، وذلك بهدف الحد من تفرّد أشخاص معدودين غير مُنتخبين بكل قرارات الدولة.. كي تقف الأمة حائط صدّ أمام أي مشروعات تهدف إلى عَلمَنة الدولة، أو الخضوع للأجنبي، أو تشريع المُمارسات المُتنافية مع الأخلاق الإسلامية، أو ترويج الأفكار التغريبيّة، أو العَبث بمصالح الأمة ومُقدراتها، ووقف هدر المال العام، وإيقاف نزيف الفساد.

وفي هذا المجال تصب مُساهمات عدد من الإسلاميين الإصلاحيين، كمُجمل كتب ومقالات د. عبد الله الحامد، ومجمل مقالات د. محمد العبد الكريم إضافة لكتابه عن (الاحتساب المدني والمُقاومة السلميّة)، وكالمُساهمة المُتواضعة التي قدمتها في كتاب (أشواق الحُريّة).. وضمن هذه المساحة تدخل أيضاً عشرات الكِتابات والمُطالبات والوثائق الإصلاحية.

4- المحامي عبد العزيز القاسم في (الإصلاح المَدَني والمؤسسي):

وهو المهموم بإعمال أصول الشريعة وقيمها في الحياة العامة، عبر تقديم مشروعات نظرية وتطبيقية كثيرة في هذا الاتجاه.. فمثلاً:

قدّم مشروع عمل لتحليل البنية التشريعية والقضائية، يرتكز على مبدأ تفعيل تطبيق الشريعة، وأكّد فيه أن التجارب الدولية لإصلاح التشريع والقضاء أثبتت أن من أهم شروط الإصلاح أن يتلاءم مع ثقافة المجتمع، وقدّم مشروعات هيكليّة تفصيليّة في هذا الاتجاه.

وقدّم أيضاً عدداً من المشروعات في الإسكان والتمويل والأنظمة المصرفية، ارتكزت على تفعيل الأنظمة الشرعية واستثمار التطبيقات الفقهية التراثية وإعادة إنتاجها بوسائل جديدة، من أجل الحد من تمدّد الأنظمة المُؤسّسة على أصول غير شرعيّة.

وطرح أيضاً مشروعاً يهتم بحماية الأخلاق ومكافحة التحرّش الجنسي، ومشروعات أخرى تعتني بالتفاصيل الهيكليّة للإصلاح السياسي والاقتصادي، ومشروعاً يُساهم في الحد من الفساد والاحتكار وارتفاع الأسعار في موضوع الأراضي.. معتمداً في كل ذلك على تفعيل أحكام الشريعة ومبادئها في الحياة العامة.

* * * *

إذا كانت العلمانية تعني تعطيل أحكام الشريعة المُلزمة فيما يتعلق بأعمال الدولة. وتمرير المشروعات الأخرى على حسابها.. وإذا انطلقنا من أصلٍ مفاده أن كِلا الخطابين (الإصلاحي والمُحافظ) يهدفان إلى الوقوف أمام تغريب المجتمع وعَلمَنته ـ مع الاختلاف في مساحة الاجتهاد والتقدير ـ، ولكلٍ منهما جهوده المشكورة في هذا المجال.. لكن دعونا نقترب أكثر من الجهد الذي يبذله الخِطاب الإسلامي المُحافظ والخِطاب الإسلامي الإصلاحي لنرى: أي الخِطابين أكثر حزماً في الوقوف أمام (عَلمَنة المُجتمع)؟

هل هم الإصلاحيون المهمومون بإصلاح النظام السياسي، والسعي للمشاركة الشعبية في القرار، وفصل السُلُطات الثلاث لضمان النزاهة والاستقلالية، وتمكين الأمة لتكون هي الضمانة الحقيقيّة لتطبيق الشريعة وإغلاق منافذ التغريب والعلمنة، وتمكينها من قرار (إدارة الثروات) كي تدعم خَلق البدائل الثقافية والاجتماعية والاقتصادية المتوائمة مع الشريعة، إضافة لمنع الجَور والظلم والتعدي على الحقوق السياسية والشرعية، والرقابة على المال العام.

أم المُحافظون الذين لا يطرحون أي تصور هيكلي للإصلاح السياسي سوى بقاء الحاكم المُتفرد بالقرار، ولا يملكون أي تصور لمشاركة الأمة في السُلطة.. بل إن بعضهم يُساهم في تكريس احتكار فئة قليلة للقرار السياسي والاقتصادي، ويقف حائط صدّ أمام دعوات الإصلاحيين لتمكين الأمة من قرارها وثرواتها، عبر النقد والتشويه والنيل الدائم من مشروع الإصلاح السياسي؟!

ومن أكثر حَزماً في الوقوف أمام (عَلمَنة المُجتمع)؟

هل هم الإصلاحيون المهمومون بجعل القرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي والفكري والشرعي في الدولة شورى بين الناس، عبر نظام انتخابي برلماني تكون الكلمة فيه للأمة، وبيدها أن (تُجيز) وأن (تمنع) وأن (تُحاسب) وأن (تُعاقب).

أم المُحافظون المهمومون فقط بمواجهة مظاهر التغريب التي تأتي من الداخل أو من وراء الحدود، عبر الاكتفاء بنصيحة النظام السياسي، والصراع مع الليبراليين الذين تصدّروا للمنابر الإعلامية بقرار السُلطة، ومُطالبة المسؤولين بمنع النتائج (المُنكرات)، دون بذل أي جهود في (إصلاح النظام الذي يُنتج المُنكرات).. وهم في حال انصاعت السُلطة لمطالبهم وألغت بعض المُنكرات، هلّل بعضهم وشكر وأفرط في الثناء.. وإن نَقضَت السُلطة كل الشرائع وقوّضت كل الأحكام، حوقلوا واسترجعوا ولم يفعلوا أكثر من ذلك!

ومن أكثر حَزماً في الوقوف أمام (عَلمَنة المُجتمع)؟

هل هم المشغولون بإصلاح المفاهيم الشرعية وإظهار تسامح الإسلام وقدرته على الانفتاح دون وَجَلٍ أو خوف على ثقافات العالم.. وإنتاج منظومة فكرية مُتسامحة تستطيع أن تقف حائط صدّ أمام الشباب غير القادر على أن يكون (مُتديّناً) وفق (النموذج المُحافظ)، فلم يرَ أمامه سوى الانحراف الأخلاقي والعلمانيّة الفكرية، فيأتي الخطاب الإصلاحي مُحاولاً احتواء هؤلاء الشباب وإفهامهم أنهم ليسوا محصورين بين خيارين: إما التديّن وفق النمط المُحافظ، أو الانحراف والعلمانيّة!!.. بل يُمكن أن يكون الإنسان مُتديناً وملتزماً بقيم الإسلام وسننه وأحكامه، وفي نفس الوقت يأخذ بفقه التيسير مادام أنه مُعتبر شرعاً، ويستغفر الله عن الصغائر والذنوب؛ لأنها لا تُخرجه من دائرة التديّن والالتزام بأحكام الشريعة.

أم هم أولئك الذين تدور غالب معاركهم حول الموسيقا، والدشّ، وكشف الوجه، والاختلاط، وتأنيث المحال النسائية!! بحيث لا يعتبرون من يرى جواز بعض هذه المُمارسات (مُخالفاً فقهياً) له حق الاختلاف، ويستحق حُسن الظن.. بل قد يعتبرونه خصماً لدوداً و(تغريبيّاً)!، وربما يصل الأمر إلى أن يرونه ـ كما أفتى أحدهم ودافع الآخرون عنه ـ من (المُنافقين الخُلّص الذين لا يعرفون الدين ولا الصلاة ولا القرآن ولا السنة)!!

سيأتي من يقول: وهل ثمة تناقض بين المسارين بحيث لا يُمكن العمل إلاّ بواحدٍ منهما؟

وأقول: بالطبع لا.. المُشكلة لم تكن يوماً في التناقض.. بل هما مساران يُمكن أن يعملا بالتوازي ـ مع حق كل طرف بالتحفّظ على بعض المُمارسات والأقوال التي لا يرى شرعيتها وصوابها ـ.. ما نُريده فقط: أن نحترم حق الآخرين بالاختلاف أولاً دون أن ندخل في حيّز اتهام النوايا والمُزايدة على التديّن.. ثم أن (نُعظِّم) ما عظمته الشريعة.. وأن (نُهوِّن) ما هونت الشريعة من أمره.. وبعد ذلك ليُفتش كل طرف في نصوص الكتاب والسُنّة، ليرى أين موقع (العدل ورفع الظلم) في الشريعة؟! وأين موقع (حرمة الغناء) في الشريعة؟!

لم تكن المُشكلة يوماً في أن الخطاب الشرعي مهموم بمتابعة الدقائق الفقهية اليومية، بل هو دون شك عملٌ مهمٌ ومشكور.. المشكلة تكمن فقط في أن هذا الخِطاب يَغفل تماماً عن متابعة قضايا هي بميزان الشريعة (أهمُّ وأعظم)، وهي قضايا الحقوق والعدالة والتنمية والمال العام والبطالة والفقر ورفع الظلم.

قال لي أحد الشيوخ يوماً: (ياخي أنتم تبون تودوننا ورا الشمس)؟! أي كِناية عن الأذى الأمني.. قلت له: يا شيخنا الفاضل، نحن لم نُطالب أحداً في يوم من الأيام أن يُمارس عملاً يرجع عليه بـ (أذيّة أمنيّة).. ولكننا نُطالبك فقط بأن تقوم بواجبك الشرعي وفق ما هو مُتاح.. يا شيخنا صار الحديث عن (العدالة والحقوق والمال العام والانتخابات....الخ) مُتاحاً حتى في الصُحف الرسميّة التي تُشرف عليها الدولة.. فضلاً عن المواقع الإلكترونية المفتوحة وغير الخاضعة لرقابة النشر.. ودونك عشرات ممن يكتبون عن هذه القضايا ـ وبعضهم بتصعيدٍ كبير ـ دون أن يتعرضوا لأذى أمني.. فما الضير في أن تتحدث وأن تُساهم في توعية الناس بهذه المفاهيم الكُبرى والقِيم الشرعيّة الأصيلة، وفق ما هو مُتاح؟!

نحن لا نُطالب بالتصعيد على الإطلاق ـ سوى من يقدر على تحمّل تبِعاته ـ.. نُطالب فقط بأن يضع الخِطاب المُحافظ قضايا الحقوق والعدالة والمُشاركة الشعبيّة في موقعها الشرعي، ويتحرك بعد ذلك وفق ما هو مُتاح.

يقول المُحامي عبد العزيز القاسم عن الطرف الذي قد يُساهم بتعطيل الشريعة وعَلمَنة المُجتمع:

(تعطيل الشريعة قد يتسبّب فيه بحسن نية الطرح الإسلامي التقليدي، الذي كان متمرساً في مواجهة المخالفين، لكنه عاجز عن تقديم الشريعة كحلول وأنظمة بناء وإصلاح، والنتيجة الطبيعية لهذا العجز هي تمكين المشاريع الأخرى من العبور لملء الفراغ، قد يُقال في هذا السياق الحجة التقليدية، وهي أن الإسلاميين لا يُمنحون الفرصة لتقديم الحلول، وهذه الحجة في ظني باطلة إلى حد بعيد؛ فالمبادرة يجب أن تكون ممن يملك رؤية واضحة في موضوع ما، أن يتقدم ليشرح رؤيته تلك ويسعى لإقناع الناس بها، والإسلاميون المحافظون ـ وبكل أسف ـ لم يقوموا بذلك.

خذْ مثلاً جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، هذه المؤسسة تحت تصرّف الإسلاميين ـ بالمصطلح العام ـ، ماذا قدّمنا في كلية الشريعة وكلية أصول الدين من حلول لمُعالجة المُعضلات المعاصرة في التنمية، النظام الاقتصادي، عدالة توزيع الثروة، الشورى، دور المجتمع في المشاركة السياسية والأهلية، العلاقات الدولية، فلسفة المعرفة، قراءة ونقد العلوم الاجتماعية. هذه هي مداخل تفعيل الشريعة في المجتمع، بصيغة أخرى هذه هي وسائل طرد العلمانية التطبيقية. أين الإسلاميون من كل هذا؟!

واقع الإسلاميين هذا جاء ثمرة لثقافتهم الاحتجاجية، أي المعارضة السلبية، وهذا النوع من المعارضة يعرف ما لا يريد، لكنه لا يعرف ما يريد. لذا لم تتجه طاقات الإسلاميين لاستطلاع ما نريد بقدر اتجاهها إلى الاحتجاج والرفض لما لا نريد. ولهذا انغمسنا في علم الكلام ودقائق الفقه، وتجاهلنا الواقع.

خذ مثلاً كم في أقسام أصول الدين من رسالة تدرِّس عقيدة فلان وفلان من الأقدمين، في المقابل كم ستجد في هذه الأقسام من رسالة تعتني بدور الفقه والأصول في التعامل مع المنتجات الحديثة في المجالات الاقتصاديِّة والإنسانيِّة والصناعيِّة. هذا مثال صارخ للعجز والعزوف وتحوّل الإسلاميين الذين كانوا في الأساس مشروع إصلاح إلى التنافس لإثبات من هو أكثر تقليدية وفقاً للمعايير الكلامية والتقليدية، وانصبّت جهود التربية الإسلامية على المتون الكلامية من جديد، وانكبّ على دراستها حتى متخصصو الطب والفيزياء، ولهذا يستحق مشروع الصحوة أن يُسمّى بـ (مشروع الإحياء الكلامي)؛ لأنها نجحت بالفعل في الإحياء الكلامي، لكن هذا الإحياء أبعد ما يكون عن مشروع الصحوة أو النهضة الإسلامية، التي كان يُفترض بها أن تكون مقاومة للمنظومة العلمانية، وذلك ببناء دنيا متوافقة مع الشريعة)).

وهنا أعيد السؤال الذي سيبقى شاخصاً أمام الأمة والتاريخ:

من أكثر حَزماً في الوقوف أمام (عَلمَنة المُجتمع)؟

ومن هو الطرف الذي يُمكن أن يُشكل اليوم (قنطرة للعلمانية).. هل هم المُحافظون أم الإصلاحيون؟

بين المُحافظين والإصلاحيين.. تساؤلات مشروعة (1)
http://alqodhat.com/articles.php?action=show&id=700

بين المُحافظين والإصلاحيين.. تساؤلات مشروعة (2)
http://alqodhat.com/articles.php?action=show&id=708

نشر بتاريخ 22-10-2010  


أضف تقييمك

التقييم: 8.20/10 (1014 صوت)


 

القائمة الرئيسية

جديد مكتبة الصور

جديد مكتبة البطاقات

جديد مكتبة الأخبار

جديد مكتبة الجوال


جديد مكتبة الصوتيات


Powered byبرنامج الموقع الشامل انفنتيv2.0.5
Copyright © dciwww.com
Copyright © 2008 www.alqodhat.com - All rights reserved


الصور | المقالات | البطاقات | الجوال | الأخبار | الفيديو | الصوتيات | المنتديات | الرئيسية