خريطة الموقع
السبت 20 يناير 2018م

تيار التمرد القضائي  «^»  إلا تسييس القضاء..!  «^»  200 قَاضٍ ونص هزيل  «^»  العرائض المسيّسة !  «^»  القضاء ليس حزباً سياسياً  «^»  إيهٍ أيّها القضاة  «^»  لا تلتفتوا إلى هؤلاء  «^»  إذا كان خصمك القاضي فمن تقاضي ؟!  «^»  أخيرا: 510 قضاة ينتصرون لمطالبنا القديمة!  «^»  المناكفة ضد إصلاح القضاء! جديد المقالات
أمر ملكي: يعاقب بالسجن كل من شارك في أعمال قتالية خارج المملكة أو الانتماء للتيارات أو الجماعات الدينية والفكرية المتطرفة  «^»  محافظ هيئة الاستثمار يزور مشروع الملك عبدالله لتطوير مرفق القضاء  «^»  أمر ملكي بترقية وتعيين (40) قاضياً بوزارة العدل  «^»  فتح مكتب لخدمة أصحاب الفضيلة القضاة  «^»  اجتماع تنسيقي لتهيئة محاكم الاستئناف بالمملكة لتطبيق نظامي المرافعات الشرعية والإجراءات الجزائية  «^»  التصريح الصحفي بشأن جدول أعمال الاجتماع السادس  «^»  بمشاركة عدد من القضاة.. وزارة العدل تنظم برنامج في القضاء الجماعي  «^»  الشورى: آراء الأعضاء في وسائل الإعلام لا تعبر بالضرورة عن رأي المجلس  «^»  حملة تصحيحية لضبط العمل القضائي في السعودية تقاوم بمعترضي مشروع الإصلاح والتطوير  «^»  معاناة المرأة السعودية داخل المحاكم .. بين تأجيل الجلسات ومماطلة الأزواج جديد الأخبار


المقالات
زاوية : الباحث نواف القديمي
من هم أهل الأهواء؟



بين المُحافظين والإصلاحيين..تساؤلات مشروعة(5)

من هم أهل الأهواء؟

نواف القديمي

في حُمّى السّجالات والمُماحكات الفكرية.. لا يتوانى بعض المُحافظين من تكرار إطلاق وصف (أهل الأهواء) على مُخالفيهم أيّاً كانوا.. وقد نال الناشطون في الخطاب الإصلاحي كثيراً من إطلاق هذا الوصف.

بالنسبة لي.. فإن إطلاق هذا الوصف على الناشطين في العمل الإصلاحي هو أمر يبعث على الابتسام، ويدعو للتعامل مع الموضوع على أنه مجرد مزحة لا أكثر.. لذلك لم أكن أرغب في الحديث عن هذا الأمر، إلاّ حين وجدت البعض ـ سامحهم الله وهداهم ـ يُفرطون في وصف مخالفيهم بهذا الوصف!.. وبرأيي إن أي طرفٍ يُفرط في اتهام خصومه ومُخالفيه بأنهم (أهل أهواء)، لهو مؤشر ودلالة على أن الحُجة والبُرهان لم يُسعفا الناقد، فلم يجد حينئذٍ سوى استخدام أساليب التشويه والطعن في النوايا.

والحديث عن (أهل الأهواء) هو دون شك حديثٌ عن (نوايا).. وحاشا لله أن أكون ممن يخوضون في نوايا الآخرين.. فعِلمُ ذلك عند ربي.. وقد يكون الرجل صادقاً ومُخلصاً وهو في قِمّة السّلطة والثروة.. وقد يكون صاحب هوًى وهو قابعٌ في ثنايا المُعتقل.

وقد يرى البعض أن إطلاق وصف (أهل الأهواء) من جهة كونهم تبنّوا آراء مُخالفة للشريعة بناء على هوى في أنفسهم! وهذا فضلاً عما فيه من الدخول في النيات، فإن الحالة الإصلاحية تقدم رؤيتها على أساس المرجعية الشرعيّة ذاتها التي يتخذها التيار المُحافظ (الاعتماد على الكتاب والسنة وإجماع الصحابة).. وبالتالي فالطرف المُقابل يمكنه أن يُجاري هذا الأسلوب ليتهم الطرف الأول بذات الاتهام.. وهذا ما يعني أننا سنظل ندور في حَلَقة اتهامات ليس لها نهاية.. وسيتحول الخِلاف من مسار الحوار العلمي الجاد إلى مسار تقاذف الشتائم!

وهذا بالطبع لا يعني نفي ظهور مؤشرات ودلائل لوجود (هوًى في النفس) عند أحدٍ ما.. ولكن مع ذلك أجد أن من المُهم الابتعاد عن الجزم بإطلاق هذا الوصف على أحد.. لِما في ذلك من تألٍّ على الله، واقتحامٍ للنيات.

لذلك فحديثي هنا ليس عن (أهل الأهواء؟) بمعنى تحديد شخوصهم.. ولكن بسبب هذا الصخب المُفرط في التدني الأخلاقي باستمرار إطلاق هذا الوصف على المُخالفين.. أودّ أن أقترب من تشخيص المشهد.. وذلك ليس بالحديث عن (أهل الأهواء).. بل عن الأوساط والبيئات التي هي (مَظِنَّة لوجود الهوى).. فإذا كان وجود هوًى في النفس يعني التخلّي عن الحق والمبدأ في سبيل الحصول على مَغنمٍ ومصلحةٍ (سواء كانت مالاً أو سلطةً أو ثروةً أو مجداً أو جمهوراً أو شهرةً أو غير ذلك).. فدعونا نقترب أكثر لنرى البيئة الأكثر خصوبة لسِقاية وإنبات أغصان الهوى.

* * * *

ثمة نظرية يرددها عدد من أبرز الليبراليين في الوسط السعودي، وهي ستُساهم في تفسير طبيعة موقف الليبراليين من السّلطة.. وأعتقد أنها ـ بحسابات المصالح والمكاسب لا الحق والمبدأ ـ صحيحة ودقيقة.. تقول النظرية:

بحسب موازين القوى، فإن في المجتمع السعودي قوّتين لا ثالث لهما.. هما: السُلطة، والإسلاميون المُحافظون.. فإذا أردت أن تنتقد إحداهما، فيجب أن تتكئ على الأخرى.. وفي حال قررت أن تنتقد كِلتا القوتين، فستضيع حتماً بين الأقدام.

طبعاً السُلطة بحمايتها ونفوذها ومؤسساتها.. والمُحافظون بجمهورهم، وامتدادهم، وقدراتهم المالية، ومؤسساتهم الأهلية والرسمية، كالقضاء والإفتاء والشؤون الإسلامية والأمر بالمعروف وسواهم.. (طبعاً دون أن تتجاوز الخطوط الحمراء مثل دعم الإرهاب أو سواه).

لذا فإن أكثر نصيحة تتردّد على مسامع الإسلاميين الإصلاحيين من أصدقاء ومُحبّين تتلخص في: يجب ألاّ تخسروا الجميع، ما تمارسونه يجعل ظهركم مكشوفاً؛ لأنكم لستم حُلفاء لطرف.

هذه النظرية وتلك النصيحة يتكئان على حسابات واقعية صحيحة، ولكنها حسابات سياسية ومصلحيّة محضة.. والمسألة الإصلاحية لم تكن يوماً مسألة (كسب مصالح أو أنصار وحلفاء)، بل هي قضية مبدئية وأخلاقية بامتياز، تهدف إلى دفع عجلة المجتمع ثقافياً وسياسياً باتجاه الانفتاح والتطور والعدالة.. ولأنه في حال دخل الجميع في إطار التحالفات والحسابات والمصالح، فربما لن يضيع شيءٌ سوى مشروع الإصلاح.

أظن أنه يُمكن لأي أحد أن يرى اليوم وبوضوح أين تتجه بوصلة المصالح والمكاسب.. فليس ذلك بالأمر الذي يخفى.. فأيُّ شخصٍ ـ يملك قدرات ذهنية وعلميّة ومهارات إعلامية ـ يمكن له في حال مال ببوصلته باتجاه السُلطة، ويكون بذلك أقرب إلى مُصدِر القرار، الذي قد يضع اسمه في قائمة المناصب والوجهاء، وقد يُصبح بين ليلة وضحاها "كاتباً كبيراً" في أشهر الصحف، وربما ينال بعضاً من "شرهات الإعلاميين" الدسمة، وقد يُمنح أيضاً نصف "درزن" من مقاعد الاستديوهات الإعلامية.

وفي المقابل نرى لو أنه غيّر بوصلة اتجاهه يميناً (وفق مواقع وحساباتٍ مُحدّدة)، كيف يمكن أن يُصبح "نجماً دعوياً" تنهال عليه المدائح والمحامد، وتُشرع له أبواب المؤسسات الخيرية، والمنابر الإعلامية الخاصة، والرحلات الدعوية، فضلاً عن الشعبية التي سيحظى بها، ومئات المُريدين الذين سيُتمتمون بعَظَمَته على شبكة النت آناء الليل وأطراف النهار.

أما من اختار كِلتا الحُسنيين، وقرر أن يعزف على الوتر الذي يروق للطرفين (السُلطة والمُحافظين) عندها قد تُفتح له خزائن الأرض، وتُشرع له أبواب الدنيا، ولكن عليك ألاّ تسأل حينها عن حجم ذاك الذي (سيبيعه) مُقابل هذا الموقع!

بكل أسف.. هذه هي أقدار مُجتمعنا التي نتجرّع كأسها المُرّة منذ عقود.. وتلك هي المسارات الصحيحة للمصالح والوجاهات وتصفيق المُريدين.

ولكن في المقابل، إذا رفضت أن تكون في إحدى هاتين الضّفتين.. وقررت ألاّ تُجامل الإسلاميين المُحافظين في قناعاتك وأفكارك.. وأن تنشط في مشروعات الإصلاح السياسي والشرعي.. عندئذٍ ربما لن تكتفي بامتعاض السلطة.. الذي قد يَبقى في إطار منعك من الكتابة في الصحف، ومن الترقيات الوظيفية.. وقد يمتد ليصل إلى المُضايقات الأمنيّة، والمنع من السفر، وربما إقصائك من حقوقك الوظيفيّة، فضلاً عن تطور الأمور وبلوغها حدّ الاعتقال!

وعلى الضفة الأخرى أنت موعودٌ أيضاً بكثافة التشنيع والشتم الذي يُمكن أن تلاقيه في المواقع والمنتديات من بعض (دعاة الإنترنت المُقنّعين)، المُتخصصين بأداء مهام الشتم والتشنيع والافتراء على المُخالفين!

* * * *

حين أسمع من يلمز الإصلاحيين بأنهم (أهل أهواء)!.. أتساءل: هل يمكن لأحد أن يوضح لي أين هي (المكاسب) في الموقع الفكري والسياسي الذي ينتهجه الإصلاحيون؟!

الإصلاحيون ـ وتحديداً الناشطين في الإصلاح السياسي ـ واقعون بين سِندان السُلطة التي تُقصيهم وتُضيّق عليهم، وبين مِنجل التيار المُحافظ الذي لا يوفر مُناسبة لتشويههم والطعن في نواياهم!

أين المكاسب التي يُلاقيها الإصلاحيون السياسيون وهم واقعون دوماً تحت الضغوط الأمنية؟! فإذا لم تكن أنت ممن طالهم نصيبهم من الاعتقال الأمني ـ وهناك قائمة ممتدة من الأسماء الإصلاحية التي تعرضت للاعتقال المُباشر، ولا أودّ التذكير بها ـ، فجزماً لن يفوتك أن تنال شيئاً من (التحقيق الأمني) أو (التضييق الوظيفي) أو (المنع من السفر).. فضلاً عن الشيء الذي لا بد منه وهو المنع من الكتابة والظهور في المنابر والصُحف الرسميّة! إضافة إلى الرسائل الأمنية الترهيبيّة التي تصل لكثير من الإصلاحيين السياسيين بين فترة وأخرى ومفادها: (ترى ملفك الأمني جالس يكبر، فخلّك رجال وإلاّ ترى بنعلمك أن الله حق)! بهدف الحد من نشاطهم الإصلاحي قبل أن يتطوّر.

ومن طرف آخر.. تجد الليبراليين مُستفزين من التيار الإصلاحي (بوجهيه السياسي والثقافي).. أولاً بسبب أن الإصلاحيين يؤكدون دائماً تمسّكهم بالشريعة وبمرجعيتها، ويرفضون بحزمٍ العبث الليبرالي ودعواته للتحرر من القيود الشرعية في المسائل الاجتماعية والفكرية.. والسبب الآخر لأن التيار الإصلاحي يُحرجهم كثيراً ويُدين صمتهم عن (الحريات السياسية والإصلاح السياسي)، فضلاً عن حقيقة تكريس كثير من الليبراليين للاستبداد والظلم وقمع الحريات، خاصة إذا ما كانت موجهة ضد خصومهم الإسلاميين.. لذا بات أغلبهم متخصصاً فقط في الدفاع عن (الحريات الأخلاقية والسلوكية دون قيد أو ضابط)!

أين المكسب الذي يجنيه الإصلاحيون، وهم يُشتمون وتُشوّه سُمعتهم من قِبل التيار المُحافظ صباح مساء.. ويُضايقون في أرزاقهم وحرياتهم من السُلطة.. ويُقصيهم الليبراليون عن الصحافة والمنابر الإعلامية.. ثم بعد ذلك يوصفون بأنهم (أهل أهواء)!

وإذا كان الإصلاحيون المهتمون بالشأن الثقافي والشرعي ـ دون السياسي ـ لا يعانون من ضغوط أمنية، والمجال مُتاح أمامهم للعمل والنشاط العلني، إلاّ أنهم يعانون من ضغوط الطرف الآخر (المُحافظ) الذي لا يتوانى عن التشنيع والاتهام وتشويه السمعة صباح مساء!

شخصياً لم أتلقّ سوى حصيلة مُتوسطة من الشتم والتشنيع.. وربما نزر يسير من الافتراءات.. إضافة لخسارتي لعَمَلين وظيفيين بسبب مُطالبات وشكاوى بعض الشيوخ المُحافظين.. أما رموز التيار الإصلاحي فقد لاقوا أكثر من ذلك بكثير.. ويمكن للمتابع أن يرى حجم التشنيع والاتهام والشتائم التي يلاقيها أشخاص بوزن سلمان العودة أو حاتم العوني أو محمد الأحمري في مواقع مُحافظة شهيرة، وعلى أيدي كتّاب معروفين يلقون كل المباركة والدعم على هذا السلوك غير الأخلاقي!

خذْ مثلاً مقدار الشتائم التي ترد على الدوام تجاه المحامي عبد العزيز القاسم، المهموم دوماً بتوسيع هامش مُشاركة الفقه في بناء الدنيا وعدم عزله عن دائرة إنتاج الحلول الحياتية لمشاكلنا الضاغطة، كي لا تنفرد الحلول العلمانية بساحة المشروعات التنموية.. فمثلاً حوى مقال واحد فقط راج عنه مؤخراً في النت، أكثر من عشرين فِرية، منها (أنه يُمثّل حالة بين الإسلام والكفر.. وأنه يدعو الناس إلى فكر مآله الإلحاد بالله والكفر والعداء الصارخ للإسلام.. وأن أفكاره تحمل من الكفر ما الله به عليم.. وأنه يدعو لتغيير أحكام شرعية كثيرة؛ لأن الشريعة ليست صالحة لعصرنا.. وأن أهم أولوياته هو العداء لأهل الاستقامة من العلماء وطلبة العلم.. وأنه يوالي الكفار.. وأنه يدعو إلى إسلام أمريكي.. وأن هدفه مسخ عقائد الناس وتمييع دينهم وتذويبه.. وأنه يعمل دراسات ويضع خططاً لهدم الإسلام.. وأنه منتكس ومنحرف...الخ).. علماً أن كاتب هذه الافتراءات هو شخص معروف، ويُحتفى به عند بعض الدعاة الذين يُثنون دوماً على (جهاده النتي)! ولا أظنه سمع من أحدهم يوماً جملة (اتق الله في أعراض المسلمين)!!

* * * *

وهنا يمكن أن أتساءل: من هم هؤلاء بضعة الآلاف مُعتقل القابعون في السجون الأمنية؟.. أليسوا جهاديين؟!.. أليس هؤلاء أبناء صميمين للتيار السلفي؟!.. أين مُطالبات العلماء وطلبة العلم بمحاكمتهم والإفراج عن البريء منهم، مع أن كثيراً من هؤلاء المعتقلين كانوا طلاباً لهم ومن القريبين منهم، ويقبعون منذ ستة أعوام في السجون دون مُحاكمات، وهو الأمر الذي يُخالف ذات النظام الذي أقرته الدولة بألاّ تزيد مدة اعتقال أي أحد على ستة أشهر دون محاكمة؟!

لماذا يصمت رموز التيار المُحافظ ودعاة الصحوة عن اعتقال هؤلاء دون مُحاكمات؟.. حتى إن أحد الكُتاب المُحافظين حين رغب في أن يُظهر جهود بعض طلبة العلم في سبيل الإفراج عن المُعتقلين، لم يجد أي جهودٍ سوى من (شخص واحد فقط) لم تكن جهوده ومطالباته من أجل الإفراج عن آلاف الشباب المُعتقلين، وإنما كانت جهوده محصورة فقط من أجل الإفراج عن (بضعة شيوخ معتقلين) كان يعرفهم ـ وهو جهد مشكور دون شك ـ.. أما آلاف الشباب المُعتقلون فليس لهم إلاّ الله!!

وفي الطرف الآخر.. فإن الإصلاحيين السياسيين ـ الذين يعتبرهم الجهاديّون خصوماً ـ هم من يُطالبون بالإفراج عن هؤلاء المُعتقلين، أو محاكمتهم إن كانوا مُدانين بأعمال تخريبية.. ويكتبون بذلك المقالات، ويرفعون بذلك المُطالبات السياسية، ويُحفّزون أيضاً المُنظمات الحقوقية.. لماذا؟.. لأن المسألة مسألة مبدأ.. والحرية لا تتجزأ.. ويجب أن تكون مكفولة للجميع.. ومن كان مُتهماً بارتكاب جُرم، من حقه أن يُحاكم، أو أن يُفرج عنه.. وفي ذلك تطبيقٌ للنّظام القانوني الذي وضعته الدولة.

* * * *

إذا كنا مضطرين للبحث عن الوسط الأقرب ليكون (مَظِنّة هوى).. فإذا رأيت من هو متفرّغ للردّ والنقد ـ وربما الردح والشتم ـ في (الأدوات) ـ بعض الليبراليين الذين يتولون مناصب رسمية ـ وفي نفس الوقت تراه يكيل المدائح الفجة صباح مساء للأمراء والمسؤولين الذين عيّنوا هؤلاء الأدوات.. ففتش هنا عن (مَظِنّة الهوى).

وليسمح لي القارئ أن أعيد تذكيره بقصة أوردتها في مقال (من يقف في وجه الغلو؟)، مفادها باختصار: إنني كنت دوماً عندما ألتقي بعض طلبة العلم الناشطين في الكتابة والردّ على فتاوى التيسير وبعض ما يعتبرونه تساهلاً وتمييعاً للدين، أسألهم عن رأيهم في بعض الفتاوى التي صدرت وتتضمّن تشدّداً واضحاً لا يمكن تبريره (كتكفير الأعيان، والتكفير باللازم، واتهام الآخرين بالنفاق، واتهام النيات والأعراض وسواها).. فيجيبونني: بأنهم يختلفون مع هذه الفتاوى والآراء ولا يرون صوابها.. عندها أقول لهم: أنتم قُمتم مراراً ـ وبعضهم عشرات المرّات ـ بكتابة مقالاتٍ وردودٍ على أفكارٍ ترونها مُتساهلة وفيها تمييع للشريعة، وهذا دون شك حق مشروع وفعل مأجور.. لكن.. هل يُمكن أن تكتبوا مقالاً واحداً صريحاً ـ وبكل لطف وأدب ـ تنتقدون فيه فتوى التكفير الذي أطلقها الشيخ الفلاني، أو تُنكرون على فلانٍ وفلانٍ بذاءتهم في الردّ على مُخالفيهم؟! طبعاً لا أسمع من هؤلاء الإخوة الأفاضل سوى الصمت! أو تبرير عدم قدرتهم على هذا الفعل بأسباب شخصية! وفي هذا الموقف أقول.. فتش هنا عن (مَظِنّة الهوى).

وإذا رأيت بعض المواقع والمنتديات (المُحافظة) تُدبّج المدائح في أصحاب السموّ.. ثم إذا اتخذت السُلطة أي قرار ليس في صالحهم (كإعفاء عضو هيئة كبار العلماء).. لم يجدوا سوى أن ينهالوا بالشتائم والعنف على الإعلام وكتاب الصحف، وكأنهم هم صاحب القرار!.. ففتش هنا عن (مَظِنّة الهوى).

وإذا رأيت من هم مُتخصصون في قمع (الضعيف) إذا أخطأ.. والسكوت عن (الشريف) وإن ارتكب الخطايا وظلم وسجن حتى رِفاقهم وأبنائهم.. ففتش هنا عن (مَظِنّة الهوى).

وحين ترى بعض الشيوخ وطلبة العلم إذا صار الأمر يخص الأحكام الشرعية لـ (عموم الناس)، تعاملوا معهم بالتشديد والقسوة وربما التكفير.. وإذا صار الأمر يخص الأحكام الشرعية لـ (الدولة)، تعاملوا معها بالتبرير والودّ أو حتى الصمت.. ففتش هنا عن (مَظِنّة الهوى).

وإذا رأيت بعض الشيوخ وطلبة العلم يتشدّدون في الصغائر واللَّمَم والخِلافات الفقهية (كالغناء، وكشف الوجه، وقيادة المرأة للسيارة....الخ).. ويصمتون عن الكبائر، كالظُّلم، وانتهاك الحقوق، ونهب أموال الأمة، والافتراء على المُخالفين.. ففتش هنا عن (مَظِنّة الهوى).

وحين ترى بعض الكُتاب وهم مستمتعون بتصفيق آلاف المُريدين عندما يقومون بالتعنيف على شيوخ أخذوا بفقه التيسير.. ولكنهم غير مُستعدين أن ينطقوا ببنت شفة تجاه شيوخ غلوا وتشدّدوا وبدؤوا بالتكفير واتهام مُخالفيهم بالنفاق، وذلك خشية من غَضَب (فِئة من الجمهور).. ففتش هنا عن (مَظِنّة الهوى).

وحين ترى بعض المُحافظين يصمتون تماماً عن أولئك الشيوخ المُتفرغين لتبرير كل أخطاء السُلطة ومظالمها.. بل ويُبصرونهم وهم ينالون (الشرهات) ويعيشون في النعيم من (أموال الأمة).. وفي نفس الوقت تجد هؤلاء المُحافظين مُتفرغين للنقد والتشنيع على بعض الإصلاحيين المهمومين بقضايا الإصلاح السياسي وإعادة القرار للأمة ووقف هدر المال العام.. ففتش هنا عن (مَظِنّة الهوى).

وحين ترى أولئك الذين يفتحون أبواب جهنم على من ينتقد بعض أخطاء الصحوة.. وفي نفس الوقت يصمتون عمّن يُقوّض الشريعة والدين والأخلاق، ويملك المؤسسات الإعلامية التغريبية، لمجرد أنه (في السّلطة).. ففتش هنا عن (مَظِنّة الهوى).

وحين تسمع شيخاً يقول لك كلاماً.. ثم إذا خرج في الإعلام وأمام جمهوره قال كلاماً آخر يُناقض كلامه السابق!.. ففتش هنا عن (مَظِنّة الهوى).

وبصراحة أكثر.. حين سألت العديد من أبرز المُحافظين الذين يُمارسون الكتابة: ما رأيكم بلُغة (سليمان الدويش) في الرد على مخالفيه؟ كان معظمهم يكرر ذات الرفض بقوله: أختلف معه، وأرفض أسلوبه، ولا أراه شرعيّاً!! ومع ذلك فهو ينشر مقالاته في كثير من المواقع المُحافظة.. ولم نرَ أحداً منهم اعترض علناً في يوم من الأيام على أسلوبه وطريقته! ففتش هنا عن (مَظِنّة الهوى).

* * * *

وأنا بالطبع لا أقول إن المُحافظين الناشطين في الإعلام وأصحاب الجماهير هم (أهل أهواء).. معاذ الله.. بل إن معظمهم ـ فيما يظهر ـ هم أهل فضلٍ وصدقٍ ودعوة، وأهل عدلٍ وعِفة لسان ـ رغم أننا لم نسمع منهم إنكاراً للبذاءة التي يُمارسها وينشرها بعض المحسوبين عليهم! ـ.. ولكنني أتحدث ـ في حال اضطُرِرنا للمُقارنة ـ عن الموقع الأجدر للتفتيش فيه عن (مَظِنّة الهوى).. وإن كنتُ في الوقت ذاته لا أبرئ كل ناشط إصلاحي عن الهوى.. ولكن نحن لنا الظواهر.. وعلم البواطن عند الله وحده.

الصحوة قدّمت في تاريخها كثيراً من النِّضالات والتضحيات.. ولكنها منذ بضعة أعوام.. وبسبب ابتعادها عن (المطالب الإصلاحية)، واكتفائها بالمعارك الفكرية مع الليبراليين والإصلاحيين.. خسرت شيئاً من صدقها ووهجها واقترابها من هموم الناس وحاجاتهم ومصالحهم.

ويبقى الحديث عن (أهل الأهواء) مادة حصريّة للخصومات السِّجالية بين التيارات.. لا تدل على وضع ثقافيّ صحيّ.. بل تدلّ على رغبة بالتشفي والإسقاط والإدانة والاتهام..

فعلى كل المُخلصين السعي لإبقاء الخلاف في موقعه (الفكري والشرعي).. والوقوف (العلني) بحزمٍ في وجه كل محاولات جرّ الخِلاف إلى وحل اتهام النيّات والتعريض بالدين والخُلق.

نشر بتاريخ 03-11-2010  


أضف تقييمك

التقييم: 6.95/10 (932 صوت)


 

القائمة الرئيسية

جديد مكتبة الصور

جديد مكتبة البطاقات

جديد مكتبة الأخبار

جديد مكتبة الجوال


جديد مكتبة الصوتيات


Powered byبرنامج الموقع الشامل انفنتيv2.0.5
Copyright © dciwww.com
Copyright © 2008 www.alqodhat.com - All rights reserved


الصور | المقالات | البطاقات | الجوال | الأخبار | الفيديو | الصوتيات | المنتديات | الرئيسية