خريطة الموقع
الأربعاء 17 يناير 2018م

تيار التمرد القضائي  «^»  إلا تسييس القضاء..!  «^»  200 قَاضٍ ونص هزيل  «^»  العرائض المسيّسة !  «^»  القضاء ليس حزباً سياسياً  «^»  إيهٍ أيّها القضاة  «^»  لا تلتفتوا إلى هؤلاء  «^»  إذا كان خصمك القاضي فمن تقاضي ؟!  «^»  أخيرا: 510 قضاة ينتصرون لمطالبنا القديمة!  «^»  المناكفة ضد إصلاح القضاء! جديد المقالات
أمر ملكي: يعاقب بالسجن كل من شارك في أعمال قتالية خارج المملكة أو الانتماء للتيارات أو الجماعات الدينية والفكرية المتطرفة  «^»  محافظ هيئة الاستثمار يزور مشروع الملك عبدالله لتطوير مرفق القضاء  «^»  أمر ملكي بترقية وتعيين (40) قاضياً بوزارة العدل  «^»  فتح مكتب لخدمة أصحاب الفضيلة القضاة  «^»  اجتماع تنسيقي لتهيئة محاكم الاستئناف بالمملكة لتطبيق نظامي المرافعات الشرعية والإجراءات الجزائية  «^»  التصريح الصحفي بشأن جدول أعمال الاجتماع السادس  «^»  بمشاركة عدد من القضاة.. وزارة العدل تنظم برنامج في القضاء الجماعي  «^»  الشورى: آراء الأعضاء في وسائل الإعلام لا تعبر بالضرورة عن رأي المجلس  «^»  حملة تصحيحية لضبط العمل القضائي في السعودية تقاوم بمعترضي مشروع الإصلاح والتطوير  «^»  معاناة المرأة السعودية داخل المحاكم .. بين تأجيل الجلسات ومماطلة الأزواج جديد الأخبار


المقالات
زاوية : الباحث نواف القديمي
ماذا يُريد الله من المُسلم؟



بين المُحافظين والإصلاحيين.. تساؤلات مشروعة (6)

ماذا يُريد الله من المُسلم؟

نواف القديمي

دون تنظير كثير.. يبدو السؤال الأهم عند المُسلم الذي يهدف إلى معرفة دوره في الحياة يتمثل في (ماذا يُريد الله من المُسلم في الحياة الدُّنيا؟).. وهو سؤال له على المُستوى البشري العام امتدادات فلسفية عميقة تدور حول (غائية الوجود) وطبيعة الحياة البشريّة.. لكن المُسلم الذي يحتكم إلى النص (القرآن والسنة) يبحث فيه عن تلك الغائية وعن هذا الهدف.

وإذا كان قوله تعالى: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) هو أحد أهم النصوص الواضحة في الدلالة على هذا المعنى، باعتبار أن العبادة هي (اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأعمال والأقوال الظاهرة والباطنة).. وإذا كان ثمة اتفاق في طبيعة الأعمال والأقوال الشعائريّة والقلبيّة (كالصلاة والصوم والذكر وتطهير القلب وتزكية النفس...الخ).. ففي الجهة المُقابلة ثمة شيء من التباين والاختلاف في تحديد طبيعة الأعمال العِباديّة المُتعدّية (طبيعتها، حدودها، وأولويات المرحلة، وظروف الواقع).

نعود للسؤال الرئيس.. ماذا يريد الخالق سبحانه وتعالى من المُسلم في الدنيا في إطار الأعمال والأقوال المُتعدية، لا الفردية الشعائرية؟

أعتقد أن أي استقراءٍ متأنٍ للنصوص الشرعية سيوصلنا إلى ضرورة أن يكون العمل العِبادي للمسلم في الدنيا (أفراداً ودولاً وتيارات) باتجاهين رئيسين اثنين:

أولهما: حماية الدين، والسعي لتعلّمه ونشره.. وثمة نصوص كثيرة في هذا السياق.. ولكونها منطقة فيها كثير من الوضوح والاتفاق، لا حاجة لإيراد الشواهد عليها.

وثانيهما: خدمة الإنسان، واحترامه ("الأخلاق" باعتبارها مُرتبطة بنمط العلاقات الإنسانية مع الآخرين)، وتحسين ظروفه الحياتية والمعيشية، وإقامة العدل في الأرض.ـ وثمة أيضاً عشرات النصوص الشرعية في هذا المجال:

ـ ففي مجال السعي لخدمة الآخرين وتحسين ظروفهم:

نُشير كمثالٍ إلى حديث ابن عباس أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال (من مشى في حاجة أخيه وبلغ منها، كان خيراً من اعتكاف عشر سنين).

وكذا الحديث الذي رواه البخاري عن أنس أن رسول الله قال (ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته).

وكقوله عليه الصلاة والسلام في الحديث الذي أورده الألباني في السلسلة الصحيحة عن ابن عمر (أحب الناس إلى الله تعالى أنفعهم للناس، وأحب الأعمال إلى الله عز وجل سرور يدخله على مسلم، أو يكشف عنه كربة، أو يقضي عنه دينا، أو تطرد عنه جوعا، ولأن أمشي مع أخ في حاجة أحب إليّ من أن اعتكف في هذا المسجد، يعني مسجد المدينة شهراً (...) ومن مشى مع أخيه في حاجة حتى تتهيأ له أثبت الله قدمه يوم تزول الأقدام.).

ـ وفي مجال تعزيز الأخلاق وحُسن التعامل مع الآخرين:

قوله عليه الصلاة والسلام في الحديث الذي رواه أبو هريرة وأورده الألباني في السلسلة الصحيحة: (إنما بُعِثت لأتمم مكارم الأخلاق).

وقد أعظم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من جريرة مُنتهك الأخلاق وسماه (مُفلساً)، حتى وإن كان كثير صلاة وصيام، فقال في الحديث الذي رواه أبو هريرة وأورده مسلم في صحيحه (أتدرون ما المُفلس؟ قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع. فقال: إن المفلس من أمتي، يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي قد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا. فيُعطى هذا من حسناته وهذا من حسناته. فإن فنيت حسناته، قبل أن يقضى ما عليه، أُخذ من خطاياهم فطُرحت عليه. ثم طُرح في النار).

ـ وفي مجال إقامة العدل والقِسط ونصرة المظلوم:

نشير إلى قوله تعالى حين جعل إقامة العدل والقسط مدار الرسالات السماوية:

(لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ).

وساوى الله عزوجل بين (الكفر وقتل الأنبياء) و (قتل الذين يأمرون بالقسط):

(إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الِّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ).

وجعل أفضل الجهاد ـ أي أفضل من جهاد نشر الدين وحماية الأرض ـ هو قول كلمة الحق والعدل عند سلطانٍ جائر:

وذلك في الحديث الذي رواه النسائي وأبو داود والترمذي من عدة طرق عن الرسول عليه الصلاة والسلام: (أفضل الجهاد كلمة حقٍ عند سلطان جائر).

فإذا اتفقت أطياف الإسلاميين على أصلٍ مفاده أن الشريعة الإلهية تطلب من المسلم أن يسعى في الدنيا لتحقيق هذين الأمرين (نشر الدين وحمايته/ وخدمة الناس وتحقيق العدالة)، فعلينا حينئذٍ أن نختبر وندرس كل الطرق، والمسارات، وأنماط النشاط والعمل والإنتاج التي يتباين فيها الإسلاميون بمختلف تياراتهم، وأن نبحث عن إجابة لسؤال مفاده:

لماذا يختلف الإسلاميون في سعيهم لتحقيق هاتين الغايتين؟

وأيهم ألصق وأقرب لتطبيق نصوص الشريعة ومقاصدها الكبرى؟

* * * *

البحث عن إجابة..

وفي مسار البحث عن إجابة توضّح أي مسارات الإسلاميين أقرب لتحقيق (مقاصد الشريعة وغاياتها).. يمكن أن أطرح سؤالين اثنين:

السؤال الأول عن مقصد (نشر الدين وحمايته):

هل الطريق لحماية الدين والهوية في عصرنا الحالي الذي تحيطه أذرعة العولمة من كل الجوانب، يتم بشكل أفضل عن طريق الاكتفاء بالطرق التقليدية في تعليم الدين ونشره عبر الحلقات والمدارس والبرامج.. وعن طريق الدخول في معارك فكرية وكلامية مع التيارات المُخاصمة للتيار الإسلامي، (وهو المسار الذي يشتغل به غالب ـ وليس جميع ـ أفراد التيار الإسلامي المُحافظ).

أم أن حماية الدين يجب أن تتم ـ إضافة إلى العمل بالطرق التقليدية السابقة ـ عبر تكوين منظومة حماية شاملة، تتمثل في بناء (نظام سياسي) متين وصالح يُمثل إرادة الأمة (باعتبار أن النظام السياسي يملك غالب أدوات التأثير والنفوذ)، بحيث يستطيع هذا النِّظام أن يقوم ببناء اقتصاد قوي وقادر على تحقيق الرفاه للناس، وحماية أموال الأمة من جشع مُنتفعي السلطة، ومن ثَمّ التأثير على اقتصاديات وسياسات الدول الأخرى، وبناء مُؤسسات ثقافية واجتماعية وإعلامية كبيرة تستطيع إنتاج بدائل مُحافظة تُنافس لتلك التي تغزونا من الثقافات الأخرى، كي تُساهم مؤسساتنا في ترويج ديننا وثقافتنا بدل أن نكتفي بترويجهما بالطرق التقليدية التي لا تكاد تتجاوز أطرنا الداخلية.. وأيضاً التعامل مع منتجات الثقافات الأخرى ـ المادية والثقافية ـ برَويّة ورُشد كي نأخذ منها ما ينفع مجتمعاتنا بدل الانخراط في المُمانعة والرفض لكل ما يأتي من الآخرين.. (وهذا المسار الواسع هو الذي يسلكه التيار الإسلامي الإصلاحي)؟

كِلا هذين المسارين يهدفان إلى تحقيق غاية واحدة هي (نشر الدين وحمايته).. وللقارئ أن يُقيّم أي المُسارين أنجع في تحقيق نتائج عمليّة وراسخة ودائمة على الأرض.

السؤال الثاني عن مقصد (خدمة الناس وتحقيق العدالة):

وابتداءً أسأل: هل التيار الإسلامي المُحافظ يرى أن: (تحقيق العدالة، ورفع الظلم، وخدمة مصالح الناس، وإرجاع حق الأمة في الشورى والقرار) هو من صميم مقاصد الشريعة التي أمرنا الله بالسعي لتحقيقها؟

فإذا كانت التيار الإسلامي المُحافظ يرى أن هذه القضايا هي من صميم ما تدفعنا الشريعة إلى تحقيقه على الأرض.. فما الجهود التي يبذلها هذا التيار في هذا المضمار؟!

هذا طبعاً إذا ما أردنا تجاوز حقيقة أن بعض الشخصيّات في التيار الإسلامي المُحافظ هي تُساهم ـ واقعياً ـ في تكريس الاستبداد، وتفشي الظُّلم، ومنع الأمة من حقها في الشورى والقرار!

باختصار..

أعتقد أن التيار الإسلامي الإصلاحي يسعى فكرياً وعمليّاً لتحقيق هدفين اثنين:

الهدف الأول: نشر الدين وحمايته، وذلك عن طريق مسارين:

المسار الأول: هو العمل المباشر في نشر الدين وتعليمه.. وطبعاً لا شك في أن المُحافظين هم أكثر انخراطاً في العمل الميداني بهذا المضمار، وهو أمر يستحق التقدير.

المسار الثاني: هو عن طريق السعي وتوجيه الاهتمام لبناء منظومة حماية شاملة، سياسية، واقتصادية، وثقافية، وإعلامية، وسواها ـ أي منظومة نهضوية حضارية مُتكاملة ـ وذلك بطرق عديدة، من أهمها (مُشاركة الأمة في القرار السياسي).

الهدف الثاني: تحقيق قيم العدالة، ورفع الظلم، وخدمة مصالح الناس، وإرجاع حق الأمة في الشورى والقرار.

وبالطبع في حال استطعنا أن نتقدم خطواتٍ في تحقيق هذا الهدف، فإن ذلك سينعكس أيضاً بمزيد من النجاح على قضايا (نشر الدين وحمايته).

* * * *

هل ثمة أولويات ثابتة ودائمة في الشريعة؟

أي.. هل وضعت الشريعة لنا أولويات ثابتة ومُحددة وغير مُتغيّرة للعمل في كُل مكانٍ وزمانٍ وظرفٍ وسياقٍ تاريخيٍّ وسياسي؟

طبعاً الإجابة عن هذا السؤال، ستُفيدنا في توضيح سبب تباين الإسلاميين واختلافهم في تحديد (الأولويات الشرعية للعمل في هذه المرحلة).

عند استقراء النص الشرعي وسيرة الرسول عليه الصلاة والسلام، يظهر أن الشريعة لم تُعطِنا أولويات ثابتة ومحددة للعمل الميداني، وهذا بعكس ما يظنه البعض من أن هناك أولويات مُحدّدة يجب على كل مسلم اتباعها في كل زمان ومكان.. لذلك فإن من يصنع لنا جدولاً لـ (أولويات عَمَليّة ثابتة) تصلح لكل شخص ومجتمع، ولكل زمانٍ ومكان، سيقع دون شك في مُصادمة واضحة للنصوص الشرعية ولسيرة الرسول -عليه الصلاة والسلام- وسير الأنبياء وسير كثير من الصحابة والتابعين وعلماء الأمة.

ولأن الشواهد والتفاصيل في هذا المبحث طويلة جداً، سأحاول أن أذكر نماذج سريعة تشير إلى المعنى المقصود.. وسيجد أي باحث في هذا المضمار نماذج وتجارب هائلة تُشير إلى هذا المعنى:

إذا كُنتَ في بلد مسلم، وتعرّض هذا البلد للاحتلال، فهل تكون الأولوية الشرعية عندئذٍ هي قراءة القرآن وتعليم الدين، أم الجهاد لدفع المعتدي وتحرير الأرض؟

إذا زرتَ بلداً إفريقياً فقيراً، ورأيت مجاعة يموت الناس فيها من الجوع، وكان معك مبلغ من المال، فهل تكون الأولوية الشرعية عندئذٍ أن تشتري بهذا المال طعاماً لهؤلاء الموشكين على الهلاك من أجل إنقاذهم؟.. أم بدفع هذا المال لإنشاء جمعية لتحفيظ القرآن؟

إذا زرتَ بلداً مُسلماً، ووجدت فيه طغياناً سياسياً جارفاً، يسلب الناس كل حقوقهم، ويقذف بالآلاف من المسلمين الأبرياء في غياهب السجون والتعذيب الوحشي، وينهب أموالهم، ويفتح بلادهم للأجنبي كي يعيث فيها فساداً، ويمنع الناس من الخير، وينشر الرذيلة والسوء.. فهل تكون الأولوية الشرعية عندئذٍ هي الدخول في معارك فكرية مع بعض منحرفي العقائد، أم العمل الإغاثي، أم حشد الناس لرفع الظلم وإقامة العدل ودحر الطغيان وإعادة القرار للأمة؟

طبعاً حين أتحدث عن (الأولوية الشرعيّة) فأنا لا أتحدث عن أن هذه الأعمال (تتناقض)!.. أي لا أقصد أننا يجب أن نعمل في مسار واحد فقط.. بل يُمكن العمل في كل المسارات.. ولكنني أسأل عن الأولوية التي تُشكل (الهدف الأكبر والأهم) والتي تستدعي حشد أكبر قدر من الطاقات في سبيل تحقيقها.. دون التقليل من أهمية الأعمال الأخرى وخيريّتها بميزان الشريعة.

إذا ما عرفنا طبيعة الأولويات الشرعية في الأمثلة السابقة.. عندها سنعلم حينها لِمَ ابتدأ نبي الله شعيب قومه بعد دعوتهم للإيمان بالله ـ ونحن في مجتمع مسلم ـ بـ (فَأَوْفُواْ الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلاَ تَبْخَسُواْ النَّاسَ أَشْيَاءهُمْ).

وسنعلم لِمَ ابتدأ نبي الله موسى أول دعوته ـ بعد الدعوة للإيمان ـ بالسعي لإخراج بني إسرائيل من مصر وتحريرهم من هيمنة وطغيان فرعون.

وسنعلم لِمَ قَدّم الرسول -عليه الصلاة والسلام- في حوادث كثيرة أولوياتٍ ربما ظن البعض أنها مفضولة، في مُقابل أولويات كان يجب أن تُقَدّم عليها، كتقديمه لحُسن السمعة وعدم تشويه صورة الإسلام مقابل ترك القيام بأفعال شرعية، كما ورد في صحيح مسلم عن عائشة رضي الله عنها: (لولا أن قومك حديثو عهد بشرك لهدمت الكعبة)، وقوله حين سوّغ رفضه لقتل المُنافقين كما في حديث جابر بن عبد الله في صحيح البخاري (لا يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه). وكقيامه عليه الصلاة والسلام بعقد صلح الحديبية الذي ظنه بعض الصحابة (دنية في الدين)، وكقوله عزوجل في الإشارة إلى عمّار بن ياسر (إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ)، حيث قدم ـ سُبحانه ـ أولوية (حماية الجسد) على الصدع بالحق وإعلان الإسلام.

وفي حوادث التاريخ نماذج أكثر من أن تُحصى تدل على ذات المعنى.. كخروج الحسين بن علي، والزبير بن العوام، والقُرّاء مع ابن الأشعث، وذلك من أجل إقامة العدل وإعادة القرار السياسي للأمة بعد أن أصبح الحُكم وراثياً في بني أمية، لأنهم رأوا أن فعلهم هذا هو الأولوية الشرعية لعصرهم ومُجتمعهم.

وكوقوف أحمد بن حنبل في وجه فتنة خلق القرآن التي جعلها (أولويّة شرعيّة)، ولم يقل إن الأولوية الشرعية هي في نشر الدين وتعليم القرآن لا الوقوف ـ وربما إزهاق الروح ـ من أجل هذه القضية.

* * * *

بعد هذا الاستعراض الموجز، يغدو السؤال الأهم في أي مجتمع مسلم:

ما هي (عناصر النقص الرئيسة) في هذا المجتمع؟ أي تلك العناصر التي يُشكّل فُقداننا لها مدخلاً لمنع تحقيق مقاصد الشريعة المُتمثلة في (نشر الدين وحمايته، وإقامة العدل وخدمة الناس)؟

هل تتمثل (عناصر النقص) في أن الأمة لا تملك قرارها السياسي والاقتصادي والديني والثقافي والإعلامي والاجتماعي ولا إدارة ثرواتها، لذلك هي لا تستطيع ـ في ظل غياب هذا القرار ـ أن تُحقق مقاصد الشريعة الإلهية؟

أم أن (عناصر النقص) تتمثل في جزئيات هذا القرار، كقرار تعليم القرآن، ومنع الاختلاط، ومناهج التعليم، والدخول في معارك فكرية مع الليبراليين، وسوى ذلك من أمور العمل فيها هو ـ دون ـ شك خيرٌ وفضيلة، ولكنها مُجرّد حلول لتفريعات وتفاصيل لا تمسّ إطلاقاً أصل المُشكلة؟

أظن أن تشخيص (عناصر النقص الرئيسة) التي تمنع المُجتمع المسلم من تحقيق مقاصد الشريعة هي المدخل الصحيح لتحديد الأولويات الشرعية للإسلاميين في أي مجتمع.. وفي حال تم تحديد الأولويات الكبرى، فهذا لا يعني أن ينخرط جميع الإسلاميين بها، ويتركوا كثيراً من أعمال الخير الأخرى.. بل إن الأمر هو نوع من فروض الكِفايات.

المشكلة في حال الحديث عن السعودية، أن (غالب الإسلاميين) لا يعملون بشكل مُباشر من أجل تحقيق الأولويات الكبرى التي تتمثل بـ (المطالبة بإصلاح النظام السياسي ليكون شوريّاً وعادلاً، كي يهتمّ من ناحية بنشر الدين وحمايته، ويسعى من ناحية أخرى لتحقيق العدالة وخدمة مصالح الناس).

و على الرغم من أن فئة قليلة من الإسلاميين في السعودية ـ وهم الإصلاحيّون السياسيون ـ هي التي تعمل بشكل مُباشر من أجل تحقيق هذه (الأولويات الكبرى).. إلاّ أن هذه الأقلية تلقى في الوقت ذاته كل النقد واللوم من بعض المُحافظين، الذين يُردّدون دائماً أن (الأقلية) تشتغل بالمفضول عن الفاضل!.. وهنا تكمُن المُشكلة.. وربما المُفارقة!

نشر بتاريخ 03-11-2010  


أضف تقييمك

التقييم: 6.00/10 (708 صوت)


الـتـعـلـيـقـات

[محمد البكر] [ 06/11/2010 الساعة 2:55 صباحاً]
فساد الإصلاح
السبت 22 ذو القعدة 1431 الموافق 30 أكتوبر 2010



د. أحمد بن صالح الزهراني

تنبيه: هذا مقال طويل نوعاً ما، فمن كان على عجل فليؤجل قراءته حتّى لا يقع – بسبب العجلة – في سوء الفهم.

بسم الله: اللهم إني أعوذ بك من فتنة القول والعمل، وأعوذ بك من فتنة الصواب والخطأ.

قرأت قبل أيام مقالات لشخص يُصنف ضمن الإصلاحيين (بمعناه الأعم)، وقد كتب مقالاته في هيئة تحكيم بين تيارين مختلفين في تصوّرهما ورؤيتهما لإصلاح المجتمعات الإسلامية، تيار يسميه هو ومن على شاكلته (المحافظين)، وتيار يسميه (الإصلاحيين) والتسمية بحدّ ذاتها فيها إشكالية؛ لأنّها تحكم مقدماً على أحد المختلفين بالإصلاح، فماذا يكون الآخرون؟

والحقيقة أنّ التيار الذي سأسميه: السلفيين (= المحافظين) هو أيضاً تيار إصلاحي كذلك، فالكل يدعي الإصلاح، حتى المنافقون يدعون الإصلاح: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ قَالُواْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ) بل حتى فرعون كان يدعي الإصلاح: (إِنِّي أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَن يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ)، والعبرة ليست بالدعاوى، بل بمن يكون أكثر قرباً من مراد الله ورسوله، وذلك لا يُعرف بأذواقنا ولا عقولنا المجردة بل بالاحتكام للكتاب والسنة.

وهذا في الحقيقة هو أصل النزاع، وليس المسائل المختلف فيها إلاّ أثر ناتج عن المرجعيّة، ففي حين يرى السلفيون أنّ مرجعية المؤمن يجب أن تكون الكتاب والسنة بفهم السلف وتأصيلهم وتقعيدهم، يرى كل من خالفهم أنّه لا حرج في التحاكم إلى أصول أخرى يمكن جمعها كما قال أئمّة السلف تحت مسمى (الأهواء)، فبعضهم يحكم العقل الصرف، وبعضهم يحكم نظره المجرد في النصوص ويسميه فقه المقاصد، وبعضهم يحكم سياسته ومصالحه الحزبية تحت شعارات مثل الوحدوية والتكتل، وغير ذلك.

ومما يؤلم أنّ هذا الأخ الكاتب قد أجحف بحق السلفيين كثيراً؛ إذ لجأ إلى تسطيح طروحاتهم رغم أنّها من صميم المنهج الشرعي، وهذا غير مُستغرب إذا عرفنا أنّه في الحقيقة خصم وليس حكماً.

كما أنّ المسائل التي تكلم فيها تحتاج إلى تخصص وعمق في الفقه، وهو فاقد لها لا من حيث المؤهل فإني لن أتكلم في هذا؛ إذ إن ذلك يعني الدخول في جدل عقيم حول الأهليّة للحديث في المسائل العامّة، وهذا يعني أنّنا سنغوص في القدح في الآخرين والتزكية لأنفسنا..

لا، سأعرض عن هذا وأدخل إلى النتيجة مباشرة لأنظر إلى أثر الحديث من غير ذوي الأهلية في النتائج التي يصلون إليها، فإنّ الأخ الكريم كاتب المقالات خبط خبْط عشواء، وحكّم في كلّ شأن مطلق تصوّراته دون التبصّر في موافقة آرائه تلك لكتاب والسّنة.

وحقائق الشريعة - للعلم - هي حقائق مطلقة منثورة في الوحي المنزّل وهي حقائق واضحة وبيّنة لمن هداه الله وأراد به خيراً، ولهذا لن أكثر اللوم للأخ كاتب المقالات و لا لغيره ليقيني أنّ الهداية للحق في نهاية الأمر هبة ربانية علينا إذا رأينا من حُرِمها أن نمتثل الهدي النبوي في رؤية المبتلى «الحمد لله الذي عافانا مما ابتلى به كثيراً من خلقه».

اليوم سأعرض لكم أنموذجاً للكيفية التي يعالج من ابتعد عن حقائق التنزيل المشكل الاجتماعي أو النفسي أو السلوكي بها.

في أحد مقالاته حكى لنا قصة (حزينة) لشاب من الصالحين كأنه كان يمارس بعض المعاصي وهي كما قال: الموسيقا ومشاهدة المسلسلات ونحوها، كان يفعل ذلك في الخفاء مما أشعره بحالة نفاق جعلته يتضايق من نفسه، ومن ثم اختار ذلك الشاب فيما بعد الانحراف بالمطلق، وفضّل حالة العصيان الظاهر على حالة النفاق، هذا حسب فهمه وفهم صاحبنا كاتب المقال.

ومن المثير للتندّر أنّ مقالات هؤلاء العصرانيين أصبحت تكثر فيها قصص مكررة قد تكون صحيحة وقد تكون خيالية، المهم أنّهم أصبحوا مثل جماعات دعوية تشتهر بالقصص كنوع من أساليب التأثير العاطفي في المتلقي، ثم تبني على القصة رؤيتها للمشكلة على جهل بالشريعة..

بطبيعة الحال تصرف الشاب كان خطأً وهو – للعلم كذلك - خطأ شائع بسبب سوء الفهم..

وهو نفس سوء الفهم الذي وقع صاحب المقال فيه، والقصة بالمناسبة تتكرر في أدبيات وطرح فئة من العصرانيين والمتأثرين بهم يرون أنّها مثال صالح للاستشهاد بها على خطأ مسلك السلفيين الذين يرون الصلاح والتدين في مجموعة من الآراء الاجتهاديّة كتحريم الموسيقا ومتابعة الدراما..

لن أدخل في سجال حول الفقرة الأخيرة؛ لأنّي أحسب أنّها حِلسٌ بالٍ كثُر دوس هؤلاء عليه، وقد عرف كل منصف أنّ السلفيين أو من يسمونهم المحافظين لا يحصرون التدين في مسائل معينة، وإنّما يكثر الحديث عن شيء بحسب كثرة وقوعه..

وإلاّ فكتب أهل العلم تشرح مسائل الدين، وتتحدث عنها من أحكام المياه إلى السياسة والحروب..

لكن مسائل معينة يكثر الحديث عنها الآن؛ لأنّها أصبحت ثغرات يحاول المشروع التغريبي النفاذ إلى النسيج السلفي من خلاله، مستغلاً الميعة الّتي ابتُلي بها بعض من كان من رموز هذا التيار يوماً ما، فأصبح دواء مليّناً يستعمله من تعسّر عليه تقبل الحكم الشرعي!

لكني أريد أن أقول: إنّ تصرف الشاب في اختياره الانحراف الظاهر وقناعته بأنه انحراف، وأنّه يشعر بارتياح أكثر من بقائه في حالة النفاق، هو – رغم خطئه - تصرفٌ أكثر قرباً إلى الشريعة من تصرف هؤلاء العصرانيين وأذنابهم، الذين يرون أنّ الحل في مواجهة انحراف الناس هو الدعوة إلى تهيئة الجو للتدين المعتدل كما يعبّرون، وحقيقة الأمر هو أن يتمّ تحريف الشريعة لتتوافق مع سلوكياتهم، بمعنى أنّ كل هذه المسائل التي يدّعون فيها الخلاف يُراد لها أن لا تبقى مفرقاً بين الصالح والمنحرف، فيكون الرجل موصوفاً بالعبادة والتدين وهو يجاهر بالغناء والموسيقا والاختلاط بالنساء، والنظر إليهن وإردافهن وتفليتهنّ وغير ذلك من مسائل التدجين..

أحب أن أقول للأخ كاتب المقال - ما قلتُه لكثيرين غيره -: أرجوكم، إذا لم يعجبكم الدين كما جاء به محمّد -صلّى الله عليه وسلّم- فدَعوه كما هو، وابحثوا عن شيء آخر غيره، وحسّنوا فيه ما شئتم، وكيّفوه كما تريدون.. يمكنكم تجريب كل ما أبدعه العقل البشري من الديانات والمذاهب..

لكن دعوا دين الله بعيداً عن لعبكم وأذواقكم وأهوائكم ونزواتكم..

أخي الكريم قارئ هذه الكلمات: إذا كنت تشعر بحالة من النفاق تثير لديك القرف كونك تمارس في الخفاء ما هو حرام، فليس الحل هو تغيير الدين ليتوافق مع تصرفاتك، وإنّما الحل للخروج من هذه الحالة هو أن تجتهد في تغيير نفسك وباطنك لتتوافق ظاهراً وباطناً مع الدين الذي جاء به الحبيب صلى الله عليه وسلّم.

وهذه هي حقيقة التديّن، هو مصارعة رغبات النفس وتطويعها لتتوافق مع إرادة الخالق جل وعلا ومحبّته..

أمّا أنّ كل شخص يخالف هواه شيئاً من أحكام الشريعة بحَثَ عن مخالف أو حيلة ليجري عملية تغيير للمنهج الشرعي، فهذا –والله- أشدّ ما فُسّر به قوله تعالى: (وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللّهِ) وقال تعالى: (فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ).

فبالله عليكم يا إخواننا، دعوا ديننا كما هو نقياً نزيهاً بعيداً عن متناول أيدي العابثين..

أعود لأقول: إنّ الأخ كما يتبين من مقاله يرى أنّ سبب ما وقع فيه ذلك الشاب هو أنّ السلفيين حصروا التدين في مسائل مثل تحريم الموسيقا ومتابعة المسلسلات، ممّا أشعره أنّه بوقوعه في تلك المخالفات قد خرج عن حقيقة التديّن فهو إذاً منافق، وهذا كذب على السلفيين فهم لم يحصروا التدين في هذه المسائل، وكون الشاب فهم خطأً فهذا ليس ذنبهم، ولو أنّه استفتى علماء الشريعة لبينوا له.

ويرى الأخ كاتب المقال - وغيره كثير - أنّ تحكيم النصوص الشرعية وبث العلم الشرعي هو نوع من التشديد والعنت الذي يفضي بالناس إلى حالة من النفاق بعضهم يرفضها وينتفض على الدين كله، وبعضهم يستجيب لها ويرضخ ويعيش حالة من الازدواجيّة بين مجتمع يرفض سلوكياته، ويصنفها عيباً وحراماً وبين رغباته وأهوائه التي يسهّل هؤلاء فيها بزعم أنّها خلافيات!

ولهذا يكثر كذلك في مقالات هؤلاء الاستشهاد بما يفعله بعض الناس من التفلّت من الشريعة بمجرد خروجهم من البلاد!

ثم يرى أنّ الحل هو ترك الحديث في تلك المسائل الخلافية – حسب زعمه وإلاّ فكثير منها ليست خلافية - حتى لا يشعر أصحاب المعاصي بمعاصيهم وقبحها، فلا يشعر فاسق بفسقه ولا مريض بمرضه..

أرأيت كيف يكون تبديل الشريعة من خلال الدعوات الإصلاحية العصرانية..

أنا أعلم أنّ لهذا الكاتب حداً ينتهي إليه من المسائل..

لكن التأصيل الذي يبني عليه ليس له حد..

فسيأتي من يوسع الدائرة فيدخل مسائل أكبر وأكبر.. وهذا هو الحاصل حقيقة لا توهماً، حتى أصبحنا اليوم نقرأ لمن يتنكر لمسائل من القطعيات ويرى أن لا يُثرّب على المخالف فيها بحجة عدم (حصر التدين فيها) فما أشبه الغراب بأبيه!

وأحب أن أشير إلى أمر يخفى على البعض، ألا وهو أنّ وجود حالة الازدواجية لدى فئات من المجتمع بين ما يظهرونه في بلادهم وبين ما يفعلونه إذا غادروها، أو بين ما يبطنونه من قناعات وبين ما يظهرونه مسايرة لدين الأغلبية – كحال ضحايا العصرانية والليبرالية الإسلامية كما يسمونها – أقول إنّ وجود هذه الحالة عرض صحي في الحقيقة خلاف ما يحاولون التلبيس على الناس بأنّ هذا نتيجة للكبت والغلو في سدّ الذرائع..

وحتى يتضح لك الأمر تأمّل متى ظهر النفاق في المجتمع الإسلامي؟

لقد ظهر عندما تنامت قوّة الدولة الإسلامية، واستحوذ الحكم النبوي على المجتمع الإسلامي.

فكلما كانت التشريعات الإسلامية مسيطرة على الجوّ العام في المجتمع زاد وجود المنافقين وهذا أمر طبيعي..

مع الأخذ بعين الاعتبار أنّ الوصف بالنفاق يشمل المنافق المحض ويشمل السمّاعين ومن يعبد الله على حرف، وهذا شكّل في العهد النبوي نسبة ليست بالهينة، تخيّل مثلاً أنّ ابن أبيّ استطاع الانسحاب بثلث الجيش الإسلامي في معركة أحد!

إذا عرفت ذلك فإنّ ما يعير به الليبراليون والعصرانيون وأذنابهم هذا المجتمع هو في الحقيقة حسنة لا سيّئة..

وهؤلاء الأفراد الذين حصلت لهم الازدواجية المعيّر بها إمّا جهلة، وإمّا مرضى شهوات، وكل هؤلاء يُرجى لهم الخير ماداموا يؤمنون بالشرائع، ويستحون من مخالفتها جهاراً، أمّا الهلاك كلّ الهلاك في فئة (أهل الأهواء) الذين يريدون عكس الآية وصبغ المجتمع بصبغة المجتمعات الكافرة التي يجهر فيها كلّ بما يريد من معصية وكفر وإلحاد، بزعم أنّ هذا هو الجوّ الّذي يسمح بوجود التديّن المعتدل!

وما أشدّ حزني وأسفي حين يظنّ هؤلاء أنّهم بهذا الفهم هم الذين يقفون في وجه (انحراف الشباب) وفي وجه (علمنة المجتمع).. فهذا هو نوع الرجال الذي لا يدري ولا يدري أنّه لا يدري!

أمّا أخي الشاب الذي شعر بحالة النفاق بسبب كونه ابتُلي بشيء من المعاصي فدعني أقل لك – والكلام موجه كذلك لكاتب المقالات -: لقد أخطأت الفهم عن الله ورسوله، ولهذا أخطأت التصرف، فليس من استتر بمعصيته منافقاً.. إلاّ بالمعنى اللغوي لا الشرعي..

فمطلق المعصية ليست نفاقاً في الشرع.. وليس كلّ من عصى منافقاً.. وإنّما جعل النّبيّ صلى الله عليه وسلّم (بعض) المعاصي من النفاق الأصغر العملي تنفيراً منها لأنّها فعلاً من صفاتهم، وهي الكذب والفجور في الخصومة والغدر والخيانة وخلف الوعد، وحتى هذه المعاصي من وقع فيها مأمور بتركها لا بتخريب باقي دينه حتى لا يشعر بتناقض!

وحتى نتصوّر هذا الأمر جيداً أقول: إنّنا يجب أن نعي حقيقتين شرعيتين:

الأولى: أنّه لا يسلم أحد من جنس المعصية.. مهما بلغ من الصلاح والتقوى.

فليس من شرط التقوى عدم الوقوع في المعاصي ولو كانت كبائر، تأمّل قوله تعالى: (وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِين)..

فمن هم المتقون؟

ذكر الله صفاتهم بعدها، ومن ذلك أنّهم: (إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللّهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللّهُ وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُون). [آل عمران:135]، إذاً فالمتقون الموعودون بالجنة مُعَرّضون للوقوع حتى في الذنوب الكبيرة، المهم أنّهم ليسوا أصحاب إصرار وعناد، ومن أكثر صور العناد والإصرار: المجاهرة بالإثم.

الحقيقة الثانية: إن كانت المعصية حاصلة ولابدّ فلا يجوز المجاهرة بها لا قبل ولا بعد.

فالنّبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- لا يمكن أن يأمرنا بالنفاق حين قال: «من ابتُلي بشيء من هذه القاذورات فليستتر بستر الله» [أخرجه مالك في الموطّأ (ح 1562) وصحّحه الألباني في الصّحيحة (ح663)].

بل أقول زيادة على ذلك: إنّ حالة ذلك الأخ الذي استشهد بحالته الكاتب دليل على إيمانه لا نفاقه، فألمه وحزنه سببه وجود إيمانٍ وقلبٍ حيّ، وهذا هو قلب المؤمن، يمرض لكن لا يموت، فما دام يشعر بالحزن جرّاء وقوعه في المعصية فهو مؤمن، كما ثبت عن النبيّ صلى الله عليه وسلم: «من سرّته حسنته وساءته سيّئته فهو مؤمن» وهذا شهادة نبوية على إيمان مثل هذا الأخ.

والتخفي بالذنب ليس مذمة بل هو محمدة، أرجو تأمّل ما يلي، ولا يطولنّ عليك؛ لأنّ هذا يبين لك حجم المصيبة الّتي ابتُلينا بها حين يتحدّث الجاهل الذي يظنّ نفسه عالماً، ويتّخذ من تصرفات الجهّال دليلاً على صحة تصوّراته الفاسدة:

من القواعد الشّرعيّة المهمّة، أنّ الذّنب قد يعظم وهو من الصّغائر بسبب ما يقترن بحال فاعله من الأمور الّتي تزيد من جرمه.

وأنّ الذّنب قد يصغر وهو عظيم بحسب ما يقترن بحال صاحبه من الأمور الّتي تخفّف من جرمه.

والمثال يوضح المقال: فالنّظر للنّساء مع أنّه صغيرة، إلاّ أنّه يعظم إذا اقترن به تبجّح النّاظر بالمجاهرة به واستحسانه، والإصرار عليه وطلبه والبحث عنه.

والزّنا عظيم إلاّ أنّه قد يصغر إذا اقترن فعله باستتار صاحبه ووقوعه فيه دون بحث عنه ومع الاستغفار منه والتّوبة.

إذا عُرف هذا فإنّ من أعظم ما يعظم الذّنب عند الله تعالى اقترانه بعدم الحياء منه عزّ وجل؛ إذ إنّ ذلك يتضمّن الاستخفاف به وبأمره وبوعده ووعيده، وهو من أكبر الجرائم القلبيّة الّتي قد تنطوي عليها الضّمائر.

ومن أمارات قلّة الحياء من الله تعالى المجاهرة بالمعصية أمام الخلق، فهو إشارة للاستخفاف، وهو أيضاً مؤشّر خطير على استحلال الفاعل للمعصية، ممّا يعني خروجه من الملّة (ربّما!)

وقد قال صلى الله عليه وسلّم: «كلّ أمّتي معافى إلاّ المجاهرين، وإنّ من المجاهرة أن يستر الله عليه ثمّ يصبح يكشف ستر الله عنه يقول: يا فلان، فعلت البارحة كذا وكذا، فيبيت ربّه يستره، ويصبح يكشف ستر الله عن نفسه» [أخرجه البخاري(ح6069) ومسلم (ح299)]، وفي هذا أنّ المجاهرة هي فعل المنكر أمام النّاس، وكذلك فعله سراً ثمّ الإخبار به دون ندم.

وفي الحديث معنى لطيف! إذ إنّ المجاهر بالمعصية لا يفعل ذلك إلاّ لعدم إحساسه بقبح فعله، وإذا كان كذلك فهو كالمريض الّذي لا يحسّ بمرضه فهو لا يطلب له دواء، أو هو يرى مرضه عافية، فكيف يُعافى مريض لا يطلب عافية، أو يرى مرضه عين العافية؟

ومن هنا فالواجب على المؤمن إذا ابتُلي بشيء من الذّنوب أن يستتر بها، وألاّ يجاهر فيكون كالمبارز لله تعالى، وليس هو في هذه الحال منافقاً؛ لأنّه ممتثل لقوله: «من ابتلي من هذه القاذورات بشيء فليستتر بستر الله».

ولأنّ الاستتار يعقب العافية من وجهين:

الأوّل: أنّه إذا أراد التّوبة لم يخجل من نظر الخلق إليه؛ لأنّه عصى سرّاً وتاب سراً، فلا يدري عنه إلاّ الله، وأمّا إذا عصى جهاراً فإنّ الشّيطان يصعّب عليه التّوبة، ويعظّم في عينه نظر الخلق إليه وخصوصاً رفقاء المعصية الّذين سيتهكّمون به، وسيحسب لكلامهم ألف حساب ممّا يجعل التّوبة عليه أصعب مرّات عديدة ممّا لو استتر بالمعصية.

والثّاني: أنّ الاستتار دليل على استقباح العاصي لفعله، فمع أنّ فعل الذّنب دليل على مرض القلب ولاشكّ، غير أنّ المجاهرة دليل على موت القلب فهو لا يستقبح المعصية، فلذلك يجاهر بها؛ لأنّه لم يعد فيه حياة يميّز بها بين الحسن والقبيح.

واستقباح العاصي لمعصيته ونظره لها بعين النّقص هو أوّل خطوة في طريق العلاج؛ لأنّ المريض إذا أحسّ فعلاً بمرضه دفعه ذلك إلى البحث عن الدّواء، بدليل قوله: «من سرّته حسنته وساءته سيّئته فهو مؤمن» [أخرجه أحمد (1/118)، وصححه الشيخ الألباني في صحيح الجامع (2546) ]. والمستتر بجرمه إذا فعله لأنّ ذلك يسوؤه فذلك دليل العافية إن شاء الله تعالى.

سؤال مهم:

إن قال قائل: لكنّ الله تعالى ذمّ الّذين يستسرّون بالمعصية فقال: (وَلاَ تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنفُسَهُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا * يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلاَ يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لاَ يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا). [النساء:108].

وقال صلى الله عليه وسلّم: «لأعلمن أقواماً من أمتي يأتون يوم القيامة بحسنات أمثال جبال تهامة بيضا فيجعلها الله عز وجل هباء منثوراً قال ثوبان: يا رسول الله، صفهم لنا، جلهم لنا أن لا نكون منهم ونحن لا نعلم. قال: أما إنهم إخوانكم ومن جلدتكم ويأخذون من الليل كما تأخذون ولكنهم أقوام إذا خلوا بمحارم الله انتهكوها» [أخرجه ابن ماجة (ح4245)، وصحّحه الألباني في صحيح الجامع برقم(5028)، بينما تكلّم فيه بعض أهل العلم وضعّفوه] ففي النّصّين ذمّ من استتر عن أعين النّاس بمعصيته.

فالجواب من أوجه:

أوّلاً: أنّه يجب أن تعلم قطعاً أنّ هذه الآية وما في معناها تذمّ العاصي من حيث أنّه لم يستح من الله، أو لأنّه استحيا من الخلق أكثر من الخالق، لكنّها قطعاً لا تأمر هذا العاصي بالمجاهرة بالمعصية؛ لأنّ في ذلك عدم الحياء لا من الخلق ولا من الخالق وهذا أشدّ قبحاً، والشّارع أتى بتخفيف المفسدة إن لم يمكن إزالتها.

ثانياً: أنّ هذه الآية وما في معناها يقصد بها أحد صنفين: إمّا المنافقون الّذين لا يجاهرون بكفرهم ومعاصيهم لخوفهم من النّاس ويستترون منهم؛ لأنّهم لا يؤمنون بوعد ولا وعيد، فهذا توبيخ لهم لأنّهم لا يرجون لله وقاراً.

وإمّا المراؤون الّذين يستسرّون بالمعصية حفاظاً على جاههم أو دنياهم أو خوفاً من السّلطان، فهم يستسرّون بالمعصية إظهاراً للدّين والتّقوى والورع بينما لا يصاحبهم في حال معصيتهم خوف ولا وجل من الله ولا حياء ولا فكر في ذنوبهم بعدها هذه ولهذا عبّر عن فعالهم بأنّه انتهاك، ففيه نوع تغليظ لفعلهم.

وأمّا المؤمن الّذي يقع في الذّنب ويخفيه لحيائه من الخلق فإنّ قصده صحيح وهو ممتثل للشّرع، قال الغزالي رحمه الله تعالى: «ولا يخلو الإنسان عن ذنوب بقلبه أو بجوارحه وهو يخفيها ويكره اطّلاع النّاس عليها، لا سيّما ما تختلج به الخواطر في الشّهوات والأماني، والله مطّلع على جميع ذلك، فإرادة العبد لإخفائها عن العبيد ربّما يظنّ أنّه رياء محظور، وليس كذلك، بل المحظور أنّه يستر ذلك ليري النّاس أنّه ورع خائف من الله تعالى مع أنّه ليس كذلك، فهذا ستر المرائي، وأمّا الصّادق الّذي لا يرائي فله ستر المعاصي ويصحّ قصده فيه ويصحّ اغتمامه باطّلاع النّاس عليه من ثمانية أوجه:

أوّلها: أن يفرح بستر الله عليه وإذا افتضح اغتمّ بهتك ستره، وخاف أن يهتك ستره في القيامة، وهذا غمّ ينشأ من قوّة الإيمان.

ثانيها: أنّه قد علم أنّ الله يكره ظهور المعاصي، ويحبّ سترها، فهو وإن عصى الله بالذّنب فلم يخل قلبه من محبّة ما أحبّ الله، وهذا ينشأ من قوّة الإيمان بكراهة الله لظهور المعاصي، وأثر الصّدق فيه أن يكره ظهور الذّنب من غيره أيضاً ويغتمّ بسببه.

ثالثها: أن يكره ذمّ النّاس له به من حيث أنّ ذلك يغمّه، ويشغل قلبه عن الطّاعة.

رابعها: أن يكون ستره ورغبته فيه لكراهته لذمّ النّاس من حيث يتأذّى طبعه، فإنّ الذّمّ مؤلم كما أنّ الضّرب مؤلم وخوف تألّم القلب بالذّمّ ليس بحرام ولا الإنسان به عاصٍ.

خامسها: أن يكره الذّمّ من حيث أنّ الذّمّ قد عصي الله به، وهذا من الإيمان وعلامته أن يكره ذمّه لغيره أيضاً.

سادسها: أن يستر ذلك كيلا يقصد بشرّ إذا عرف ذنبه.

سابعها: مجرّد الحياء، وهو خلق كريم، فالّذي يفسق ولا يبالي أن يظهر فسقه للنّاس جمع إلى التّهتّك والوقاحة فقد الحياء؛ فهو أشدّ حالاً ممّن يستتر ويستحي، إلاّ أنّ الحياء ممتزج بالرّياء ومشتبه به اشتباهاً عظيماً.

ثامنها: أن يخاف من ظهور ذنبه أن يستجرئ عليه غيره ويقتدي به، ويختصّ ذلك بالأئمّة ومن يُقتدى بهم، وبهذه العلّة أيضاً ينبغي أن يخفي العاصي أيضاً معصيته من أهله وولده لأنّهم يتعلّمون منه». [باختصار من إحياء علوم الدّين (4 / 113 ـ 115)].

فظهر بهذا أنّ الاستسرار بالمعصية ليس فيه أيّ مأخذ شرعي، وأنّ النّصوص الواردة في حقّ من يعصي في السّر إنّما وردت فيمن قصده في إخفاء المعصية الرّياء والخوف على دنياه، وأمّا بالمقاصد الثّمانية المذكورة بعلاماتها سابقاً، فالسّتر واجب وهو محمود شرعاً وعقلاً.

وحيلة الشّيطان في هذا الباب أنّه يجرّئ العبد على المجاهرة بالمعصية من باب الإخلاص واستواء السّرّ بالعلانية، وهذا خطأ لما قد عرّفتك سابقاً من أنّ الاستسرار لا ينافي الإخلاص.

كما أنّ الاستسرار بالمعصية هو عين العقل، وهو دليل صحّة، ولذلك قال ابن الجوزي: «إذا رأيت قليل العقل فلا ترْجُ خيره، وأمّا من كان وافر العقل لكن يغلب عليه الهوى فارجُه، وعلامة ذلك أنّه يدبّر أمره في جهله - أي حين يجرّه هواه إلى المعصية - فيستتر من النّاس إذا أتى فاحشة، ويراقب في بعض الأحوال، ويبكي عند الموعظة، ويحترم أهل الدّين، فهذا عاقل مغلوب بالهوى، فإذا انتبه بالنّدم خنس شيطان الهوى وجاء ملك العقل» [صيد الخاطر (ص361)].

على أنّي أقول: إنّ الكمال لا يكون بإفساد ظاهرك ليستوي مع باطنك، وإنّما إذا أردت تحصيل الكمال فاسعَ في إصلاح باطنك ليوافق ظاهرك فإن لم تستطع فإنّه ذلك أخفّ ضرراً من أن يفسد ظاهرك وباطنك.

أخيراً: فلو فرضنا أنّ الاستسرار بالمعصية نفاق فلا يعني أنّ المجاهرة بالمعصية أقل إثماً، بل المجاهرة وفسخ برقع الحياء أشدّ مبارزة لله تعالى؛ لأنّها فساد وإفساد، والمؤمن مأمور بأن يأتي من المفاسد ما هو أقل، وأن يرتكب من المعاصي ما أصغر.

والله أعلم بالصواب.

[محمد البكر] [ 06/11/2010 الساعة 2:56 صباحاً]
القديمي والتنوير
الخميس 28, أكتوبر 2010


عبد السلام الحسن
لجينيات ـ لعل من حسنات سلسلة المقالات الأخيرة التي كتبها نواف القديمي ( بين المحافظين والإصلاحيين تساؤلات مشروعة ) أن أعادت للأذهان مقولة له تعتبر محورية في توصيف مشروعه ، انفلتت من لسانه قبل سنوات ، وجاهد في التبرؤ من مضامينها السيئة في حوار له في مجلة رؤية ، ثم رأيناه أخيراً يمتثلها بحذافيرها منهجا في تدبيج السلسلة الآنفة ، هي قوله : ((تيارنا يقوم على نقد التيار السلفي، وتفكيك بنيته التقليدية، ومنظومته في التفكير، والتعامل لتجاوز التأزمات التي أنتجها في المجتمع، والتي أسهمت في إعاقة مشروعات النهضة والتطور الحضاري.إذن فهو تيار فكري ثقافي أكثر منه سياسي؛ لذلك فهو- إلى الآن- غيرُ معنيٍّ بشكلٍ مباشر بالإصلاح السياسي بقدر عنايته بالإصلاح الثقافي، لذا لا توجد له مشكلة مع السلطة السياسية))

بالفعل ، هو تيار لا توجد له مشكلة مع الوضع السياسي القائم ، إذ لو كان ثم مشكلة ما عمد الأخ نواف إلى ترميز أشخاص كإصلاحيين من مثل حاتم العوني وبدر العامر ، "فأمّا الشيخُ العونيُّ فيشرِّع السُّلطَة المُطلَقَة لوليِّ الأَمرِ كما يقول العَونيّ : ((إذا اختار الحاكمُ من الأقوال المعتبرة ما يرى أنه يحقق المصلحة, فلا يحق للهيئة الشرعية أن تعترض عليه)) و أما الشيخ بَدر العَامرِ فيشرِّع للملكيَّةً و يُدافِعُ عَنها كما يقول العامر : ((العبرة في الأمر بما يصلح حال الناس ، سواء كان اختيارا ، أو ملكاً ، أو غيره)) . "

وإلى هنا لست بالذي يفرض على نواف مشروعاً ، أويحاسبه على تجاهله للمشروع السياسي لصالح المشروع الفكري ، لكن يهمني في ذات الوقت أن يكشف نواف مشروعه للناس بشفافية ووضوح ، وأن يكف عن ممارسات المزايدة على الآخرين والتكثر من الأتباع والمؤيدين عبر العزف على وتر الإصلاح السياسي ، لست أرضى لرجل يدعي أنه شجاع وصريح ومستعد لتحمل تبعات أفكاره ومخلص في قصده ومريد لله والآخرة – كما يبث هذه المعاني عن نفسه في مقالاته – أن يستخدم الإصلاح السياسي قنطرة لترويج أفكاره التي يجبن عن الحديث حولها بكل صراحة وشفافية ، لماذا يصور نفسه ضحية تشويه سلفي للمصلحين السياسيين – كما يكرر دائما – ؟ ولماذا لا يكف عن الإيحاء بأن الخلاف هو حول الإصلاح السياسي ؟ ألا يعد هذا من الكذب الذي ينافي المعاني الجميلة التي يروجها نواف عن نفسه ؟ أيعجز رجل يحمل قدرا من الصراحة عن الإقرار بحمولته الفكرية المصادمة للسلفية والتي زرعت مخالفيه ومن بينهم من يؤيد الإصلاح السياسي ومن هو أشجع في مواجهة السياسيين والحديث عن مشاكلهم من نواف ؟

لا تقف مزايدات نواف عند شعار الإصلاح السياسي ، فهو يزايد بالغلو ويرى فيه شريان حياة لمشروعه ، لذا فهو مهووس جداً بتلمس معاني الغلو عند مخالفيه ، ويتكلف تكلفاً ظاهراً يمجه القراء حينما يتحدث عن الغلو ، وهو في هذا الصدد يتمتع بغطاء جوي وحماية من قبل السياسات العالمية والإعلام الخارجي والداخلي حيث رميت السلفية عن قوس واحدة ، وكرست صورة بشعة لها في ذهنية المتلقي هذه الصورة سهلت على نواف كثيرا من مهامه لاستغلال موضوع الغلو ، وتقاطع مشروعه مع المشروع العالمي والليبرالي العربي في الحط على السلفية ووصمها بالغلو ، والجميع يتفق على أنها عائق أمام المدنية ( بالمفهوم الغربي ) .

مما يتذرع به نواف : قضية السباب والشتائم مع المخالفين ، هي قضية مقلقة فعلاً ، وإن كانت في تراجع ملحوظ إلا أنها سلبية تعود لأسباب تربوية صرفة ، الملاحظ أن التيار المحافظ هو تيار شعبي وبقية التيارات الأخرى ( ليبرالية وتنويرية ... وسواها ) نخبوية في الغالب ، هذه إحدى الفروق التي تفسر كثرة السباب الموجود في الشبكة من أنصار التيار المحافظ ، مع ذلك : يوجد من السباب الذي يقذع به الليبراليون والتنويريون ومؤيدوهم على المخالفين لهم في منتدياتهم وصفحاتهم الشخصية ما يكفي لعقد مقارنة تجعل الزجر والتأديب والتحذير من هذه المشكلة ليس حكراً على طرف دون طرف ، وهذا ما يشكك في مصداقية طرح نواف فيما يخص هذه المشكلة ، إذ يفترض بالمعالج أن يتوجه لعلاج أساس المشكلة بعيداً عن استغلالها آيديولوجيا في تشويه الخصوم .

مما هو جدير بالذكر أن الشيخ إبراهيم السكران كتب مقالاً خاصاً يعالج هذا الموضوع إلا أنه لم يتوجه به إلى خصومه الذين يسبون البراك والأحمد والمنجد والفوزان واللحيدان .. وسواهم ويكيلون الكلام الرخيص للصحوة والمحتسبين ، بل توجه بالحديث لمن ينال من مخالفيه ويطعن في ذممهم ( راجع مقال من يقف خلف الأسماء المستعارة ؟ ! ) فكان نعم المثال على الصدق في علاج هذه المشكلة وإنكارها ، لا استغلالها آيديولوجيا .

تلمس نواف مواضع من القصور في الخطاب الدعوي ، وابتكر مواضع أخرى ، فعل ذلك بعد أن صنع ثنائية بين الخطاب الدعوي الموجود وبين خطاب التنويريين ، ولا شك أنها ثنائية زائفة ، فإن الخطاب الدعوي الموجود على ما فيه من قصور خير من خطاب التنويريين بمراحل ، كما يمكن تلافي القصور الذي فيه بدون الحاجة للنكوص والتنوير .

جدير بالذكر أن الدعوة السلفية اليوم محاربة ومضيق عليها ، بإزاء إتاحة المجال لكافة خصومها ، فنتيجة طبيعية أن يشهد الخطاب تراجعاً أو يعاني ضعفاً ، ونواف يحمل مسؤولية هذا التراجع والضعف من ألفها إلى يائها لذات الخطاب ، وهي إحدى أفكاره التي يطلقها متأثراً بعقلية الصراع والخندقة .

دعوني أنتقل إلى كشف أوراق التنوير الذي يقدمه نواف كبديل عن الخطاب السلفي ، لنقف سوياً على جوهر المشكلة ، ونفسر حقيقة الرفض السلفي لأدبيات التنوير ، هل هو رفض للتغيير والإصلاح ؟ أم رفض للنكوص والإفساد ؟ وما سأذكره من بعض أفكارهم ورؤاهم ألتزم أن يكون قائله – مع عدم ذكر اسمه – ممن ذكرهم نواف في سلسلته كرموز للتنويريين .

موقف التنوير من السلف :

يزهد التنويريون في خير هذه الأمة وأبرها وأصدقها وأعلمها بدين الله وأحكمها في سلوك الهدى ، إنهم سلفنا الصالح رضوان الله عليهم ، الذين هم في مقياس التنويريين تجربة غير ملزمة ، بل صرح بعضهم أن ترك النظر في فقههم خير للمرء ، وصرح آخر أنه لا فرق بين مذهبهم ومذهب سواهم من المعتزلة والأشاعرة فكلها مذاهب ننظر لها بعين المساواة .

ولا يخفاك أخي القارئ ما تنطوي عليه هذه المواقف من خلخلة لقاعدة أهل السنة و دكدكة لبنيانهم في مواجهة المبطلين والمحدثين ممن اخترعوا دينا لم يعرفه السلف ونسبوه لله .

موقف التنويريين من العقيدة ورجالها :

يحتقرون دور التأصيل العقدي ، ويحرفون بعض الأبواب العقدية : كالولاء والبراء ، ويدعون للتسامح مع المخالف عقديا ولربما جوزوا الخلاف في العقيدة وسوغوه .

ويكفيك أيها القارئ أن تعلم أن مبدئا من مبادئهم كحرية التعبير إنما هو في الإصل نتاج شك في العقيدة وعدم جزم بها ، أوما يعرف بنسبية الحق التي تدفع إلى نتيجة أن كل المختلفين لهم حق في إبداء رأيهم .

موقف التنويريين من حد الردة :

ينكرون حد الردة ، ويأولون الأحاديث الواردة فيه ، مخالفين بذلك إجماع فقهاء المسلمين ، وسر إنكارهم له : أنه يبطل كثيرا من مشروعهم القائم على إتاحة الفرصة للزنادقة والمنافقين لا في التعبير عن آرائهم فحسب بل المشاركة في صنع القرار السياسي للأمة المسلمة .

موقف التنويريين من تحكيم الشريعة :

يقولون بالديمقراطية ، ولا يعنون مبدأ الانتخاب في اختيار الحاكم فحسب ، بل الانتخاب في كل شيء حتى في صناعة الدستور والشريعة ، وهذا من الحكم بغير ما أنزل الله ، وهي نقطة جوهرية في الخلاف مع السلفيين ، وإذا صور لك أحدهم أن السلفيين يرفضون حكم الأمة ويؤيدون حكم الفرد ، فاعلم أنه يريد أنهم يرفضون إسناد مهمة التشريع للأمة ، وإلا فلا أحد من السلفيين يعارض مبدأ الشورى الشرعية .

وقولهم بالديمقراطية بصورتها الغربية أدى بهم إلى تجويز إقامة الأحزاب المخالفة كالليبرالية والعلمانية ومن ثم الاضطرار إلى إنكار حد الردة لأنه سيكون عائقا أمام المطالبة بإلغاء الشريعة ، وكذلك تمسكوا بشبهة حرية المنافقين ليزعموا أنه لا عقاب على من يخالف الشرع أو يصرح بالكفر ( انظر شبهة حرية المنافقين للشيخ إبراهيم السكران )

موقفهم من السنة النبوية :

كعادة أهل الأهواء يتورطون كثيرا مع النصوص النبوية ، فيتأثرون بدعاوى سابقيهم في الضلال من المعتزلة الذين يشككون في الآحاد ويقدمون الاشتراطات للعمل به ، هذا من حيث الرواية أما من حيث الدراية : فتحريفهم لأحاديث حد الردة خير مثال على مخالفتهم لهدي السلف في توقير السنة والعمل بها .

أما بعد :

فلا عليك أيها المبارك من زيف الإصلاح السياسي الذي لم نر منه شيئا ، ولا من زيف الإصلاح الثقافي والفكري الذي يراد منه تمرير مخالفات ومبادئ خطيرة ، في مقابل تطبيع العلاقة والموقف من المناوئين للشرع .

ويكفيك أيها الكريم أن تنظر مداهنتهم للمفكرين العرب وترميزهم لهم ودفاعهم عنهم ( وفيهم من هو غير مؤمن أصلا ) في مقابل عداوتهم ونفرتهم للعلماء الكبار كالبراك والفوزان ، لتقف على ابتعادهم عن السلفيين لا مجرد نقدهم لمظاهر قصور .

هداهم الله وكفى المسلمين شرورهم .

عبد السلام الحسن

[محمد البكر] [ 06/11/2010 الساعة 2:57 صباحاً]
البقعة التنويرية
السبت 23, أكتوبر 2010


سليمان بن ناصر السالم
المدخل/

البقعة صارت تتسع شيئا فشيئا لكل من له خصومة أو موقف مع التيار السائد ، ليست المسألة أن تنطلق وفق قواعد محددة ومنهج متبلور وأدوار واضحة ؛ المهم أن يكون لك تحفظ على شيءٍ قائم على سطح المجتمع ، بعدها ستُمنح بطاقة الشرف وتذكرة الدخول لعالم الأنوار في جذر مكافحة الظلم ومقاومة الاستبداد

إنها البقعة التي رسمها أحدهم وأدخل في قطرها كوادر علمية ذات اليمين وذات الشمال ، وحشر في جوفها أقلاما متباينة بشكل حاد ومشاريع شتى... ؛ كانت أشبه بصافرة إنذار دَوَّتْ في بعض دول العالم الثالث فإذا بالطبيب والمهندس والمزارع بجوار الجندي جنبا إلى جنب في أرض المعركة ..كانت أماني أملاها الخيال الرحب والنفس المتطلعة نحو التغيير ..لكن هل لها رصيد من الواقع ؟

شغلونا بالحديث عن الإصلاح السياسي ومناهضة الفساد المالي ، فلما قلنا لهم : سموا لنا رجالكم ..، ذكروا فلانا وفلانا...أسماءً لا يعتبر الإصلاح السياسي من صلب اهتماماتها لا من قريب أو بعيد ، يا تُرى هل هو تخلٍ عن المشروع ؟ أم أن المسألة لا تعدو أن تكون استكثارا للرفاق لمجابهة التيار الجارف ، رأوا أيديَهم خاليةً من الأوراق الرابحة ، فأدخلوها في جيوب الآخرين يبحثون عن أي رهانٍ يضعهم في الواجهة ، كنت أتمنى أن يكون الخطاب التنويري واضحَ المعالم والرسوم ، لكنه ويا لأسفي الشديد ليس كذلك ، كل ما هُنا لك أن تُبديَ تحفظاتٍ شديدةٍ وليونةً في التعامل مع النص الشرعي في أي مجال شئت ، بعدها ستجد نفسك عضوا في نادي الأنوار ..!

لا أعلم لم توضع السياجات الوهمية بين التيارات الإسلامية ، هل يا تُرى صارَ مُبرر إثبات الوجود والتجميع المرقَّع أهمَّ من مبرر وحدة الكلمة والصف؟!

الغلو في مكافحة الغلو /

يسأل التنويريون : لم لا تكافحون الغلو والتشدد ؟ هل ثمَّ موضوعٌ تناوله الخطابُ الشرعي خلال العقدِ الماضي أكثرَ مما تناول شبهات الجهاديين ومسائل التكفير حتى بات وصف : [الغلو في مكافحة الغلو] ملائما لبعض حالات الخطاب ..!

ما لم يفهمه هؤلاء -تطبيقيا على الأقل- أن الشريعة نبذتْ الغلوَّ والتفلُّتَ على حدٍ سواء، فالمكتبات السلفية والمحافل المحلية والرسائل العلمية والندوات المختلفة كلها تصب في صالح مكافحة الغلو ، لكن السؤال الملقى في قارعة الطريق / من يقف في وجه مطبوعات محسوبة على التنوير تخلخل الثوابت الشرعية ككتاب يتضمن قصر الصلوات الخمس إلى ثلاث ، ومن ينتزع المناديل المبللة من أكف نادبي أساطين الانحراف ويصرخ في أحداقهم المحمرَّة : لملموا عواطفكم المتناثرة بحزام الدين ، فهؤلاء خصوم الشريعة من المهد إلى اللحدكيف يُندبون؟! هي الأعين نفسها جمدت عن السيلان إثر وفاة العلماء الربانيين ..؟ ثم يسألون بكل براءة : من يقف في وجه الغلو؟

يقف في وجه الغلو القادرون على تمييزه ، وليسوا من يفاخرون بالأخذ بسند عال عن رموز القراءة الجديدة للنص ، أحدهم لما أراد الوقوف في وجه الغلو ، استدرك على أحد العلماء فانتهى إلى القول أن شتم النبي صلى الله عليه وسلم مما تتسع له الحرية في حياته وبعد وفاته..!

هل مجرد كثرة الحديث عن الغلو مفخرةٌ بحد ذاته ، إذن فاز بهذه المنقبة لفيف من الصحفيين الليبراليين الذين وضعوا الكلمات التالية :[الغلو ، التطرف ، آيدلوجيا] فَوَاصل بين الجَمَلِ ، وهم أكثر الناس شتما وتقريعا لما يرونه غلوا ، لأنهم يكتسبون شرعية بقائهم من وجوده على الساحة ،

يؤمل بعض هؤلاء أن تصير كتاباتهم التبريرية أقراصا منومة وحقن بنج تضخ في الشرايين حتى تبتر الأعضاء في المشرحة التنويرية دون مقاومة ؛ فقط سنُبَدِّلُ نظامَ حكمك ، ونتيح المجال لأهل الابتداع وأقطاب الانحراف أن يسيحوا في أرضك ، ونعيد ترتيب أولويات الإصلاح لا كما رسمها القرآن بل وفق إيقاع العصر ومتطلباته ، لن نفعل غير هذا ، فلم الغضب والممانعة ؟

نحن وإياك خطآن متوازيان ؛ أنت تلاحق المنكرات اليومية : البدع ، والاختلاط ، والغناء ، والجزئيات الصغيرة ، ونحن نوطن كل هذه الأشياء بقرار حكومي .. فأي داع للغضب؟!

خصومة مفتعلة :

عبثا يحاول التنويريون أن يظهروا عدم قدرة الخطاب الشرعي القائم على معالجة مشكلات العصر الجديدة ، ودأبوا على وصم رجالات الخطاب بالتعلق في ركب السلطة والولاء التام للحاكم وهذه هي أس المعادلة وحرف المسألة ، فلتكون متسقا مع ذاتك ، صاحب أطروحات مقنعة لغيرك ؛ تحدث بإسهاب عن نقائص الآخرين ، لا بقصد معالجتها بل لإسقاطها ، وإلا فما الداعي لظهور خطاب جديد ، وأوضِّحُ الصورةَ في مثال واقعي :

النشطاء السياسيون الذين دأبوا على نقد السلطة لم يمسهم النقد الجذري إلا بعد ولوجهم مغاراتٍ مظلمةٍ من إسقاط الحديث المتواتر إذا كان متضمنا طاعة السلطان ، والسخرية بفقه السلف ، ونبز المعاصرين من علماء الشريعة بأحط الأوصاف ، ولو أنهم وقفوا على حدود نقد الظلم ، والمطالبة بالحقوق ، وتساوي الفرص ، لاعتبرناهم مكمِّلين للنقص الطبيعي في أي خطاب ، قائمين بفرض كفائي مشكور ، المعضلة أنهم تركوا هذا الواجب وانهمكوا في التهكم في واجبات كفائية أخرى ، أعلم جيدا أن الوقوف من أجل الإصلاح السياسي قيمة شرعية معتبرة ، لكني موقن أيضا أن هذه الوظيفة محفوفة بالمخاطر فلا يصمد لها إلا القليل ، لذا كثيرون يطيب لهم أن يرفعوا الشعار دون تحريك حجر في طاولة الإصلاح ، ليغنموا من المناضلين بطولتهم ، ومن القاعدين سلامتهم .

نتاج التنوير :

استطاع أمشاج من هذه الفئة أن يتواصلوا مع بعض الشباب الصاعد، لما يتوافر عليه الشاب من ولع بالجديد ، ورغبة في ركوب الموجات ، فضلا عن شحن روحه المتوثبة بمعاني النضال والمقاومة ؛لم تكن التنظيرات الجميلة حول حفظ عقول الشباب من الانحراف الفكري والسلوكي مقاربةً لهذا النتاج البشري ، ولا أدري هل يعلم هؤلاء أدعياء محاربةِ التشدد والغلو أيَّ جريرةٍ سيحملون وهم يوهنون في نفوس الجيل الجديد المعاني الشرعية المعتبرة ، ويشحنونهم ضد العلماء الذين قضوا أعمارهم في دراسة الشريعة ، من المسؤول عن لِدَاتي الذين أعرفهم لم يقوَوا على إكمال (مذكرات الطنطاوي) يتحدثون بشيءٍ من الفخامةِ عن التيسير الفقهي ، وحاجة العصر ، ومقاصد الشريعة ، ثم يهمسون في تعالٍٍ : نحتاجُ إلى إعادة النظر في فقهِ السلف ..!، من الذي قال لهذا الفتى الغَض : كم نحن بحاجة إلى تنويري مثلك يخرجنا من غياهب الظلام ويخلصنا من عصور الانحطاط وسلطة الرجعيين ، فهناك أيها الأسد المغوار تغمرنا نشوة التحرير ونعلن انتصارنا على جحافل الليل القاتم وسننقلب في غمضة عين إلى مناضلين أحرار ..!

أي نشوةٍ تَهُزُّه لهذا الطرح ..؟

لـمَّا أَجَلْتُ نظرةً عجلى في (الفيس بوك) خَطَر بِبالي أنه لا داعيَ لثني الرَّكَبِ عند العُلَماء ، وتضييعِ العُمُرِ بِحِفْظِ النُّصوصِ وَفَهْمِهَا ، ومِنْ ثَمَّ جَرْدُ الـمُطَوَّلات ، المسألةُ أسهلُ بكثير : فقط افتحْ حسابا هناك..، بعد ذلك تَمَتَّعْ بِقَدرٍ من الصفاقة ، وفيضٍ من الوقاحَةِ ، واجعلْ لحومَ الأكابرِ مضغةً في فَمِك ، ولا تنسَ بأن تُرَدِّدَ أنَّ شطرا طويلا من عُمُرِكَ -الذي لم يتجاوزْ الثلاثين بعدُ-: خُدِعْتَ بالسَّلَفية ، وأنَّ الدعوةَ الوهابيةَ سلبياتُها أكبرُ من إيجابياتِها ، وفي خِضَمِّ ذلك الانتِشاء بالتنظير ؛ اكتبْ مَقَالا بِعُنوان : (رحلتي من السَّلَفيةِ الضَّيقةِ إلى الإسلامِ الأرحب) ، حاولْ أن تورد فيه اسمي مارتن لوثر وكالفِنْ ، وطعِّمِ المقال بنقولٍ عن الأئمة ابن حزم وابن تيمية ... بعد هذا ستلقى من يُبَجِّلُك ويراك مظلوما في عصرك ، وأن لديك من الأفكارِ ما يَسْتَحِقُّ الإشادَةَ والقِرَاءَةَ ، سَتَلقى مَن يَظُنَّك أبو حامد الغزالي الذي غَرِقَ في بحر متلاطمٍ من الفَلسَفَة ، لن يَعْلَموا أنَّ قُصَارى قِراءاتِك لم تتجاوزْ رواياتِ علاء الأسواني ، وإحدى روايات دان براون ، ثم وَجَدتَّ الطريق قصيرا نحو التَّصَدُّرِ والتَّنظيرِ .. ما معنى أن تُطلق العبارات المفتوحة مصحوبةً بتأوهات ، من نوع : الحرية ، الفكرة الجديدة ، امتداح القلق الفكري والحيرة ، ...، وإذا ما استُوقِفَ أحدُهم فَزِعَ من التطرف الذي يغرق فيه المجتمع ، تساءلت كثيرا / كيف استطاع أن يكون دقيقا في تعبيره متقعرا في استخراج نوايا المحتسبين ، ثم إذا جاء الحديث عن المشاريع النهضوية المترجمة رأيت عباراتٍ مجملة ، وحديثا فارغا حول النظر للكأس الفارغ والملآن ، ونسبية الحقيقة.. ، كان أضراب هذا الفتى قبل سنين عندما يقع في ذنبٍ يستشعر التقصير ويستغفر الله الكريم ، الآن جاء من يقول له : إن جميع ما تشتهي أن تفعله لا يعدو أن يكون قولا شرعيا معتبرا ، طبعا ما لم يصل لحدِّ الإلحاد... ، كان يُقالُ له : الاستقامةُ هي التمسك بالهدي المحمدي ظاهرا وباطنا فاستقم كما أمرتَ ، فجاء من يقول له : فاستقم كما أردتَ ، ومالم ترده فأنت في النهاية موافق لبعض الأقوال الفقهية ، لا أدري من أين جاءت قاعدة [خذ بالأيسر –مطلقا!- ما دمنا في عصر العولمة] ، ولا أعلمُ أن من وسائل الدعوة الصحيحة تقليم بعض الأوامر الشرعية التي تتعارض مع رغبة المدعوين أثناء تكالب الفتن ، بقي أن أقول "حين يتحدث من لا تود عن فوائد التنفس لا تمت مختنقا" فلسنا في مقام تنزيه مجمل الخطاب عن الزلل أو التقصير ، ومن الخطأِ المخالفِ للشرعِ والعقلِ أن يستخفنا الذين لا يوقنون عن تتمة مكامن النقص ، فمن الذكاءِ الفرحُ بأيِّ ابتداراتٍ أمينة تسعى لسدِّ هذه الثغرة أو تلك ، وتستبطن تمديد الخطاب الشرعي لا تحديده ، وتعظيم النص لا تقزيمه ، إننا على اعتراف تامٍ بوجود أخطاء تستلزم التصويب والتقويم ، لكن راعنا من أراد إزالة الذبابة الصغيرة بالفأس ، فَنَزَعَ الفَسَائِلَ واقتلع الجذور ، فحاجتنا الماسة للنقد لا تلغي عقولنا ومداركَنا الشرعية لقبولِ أيِّ نقد...، ومن الظُّلمِ لهذه النقطة المهمة أن لا تفردَ لها الأحاديثُ الخاصة ، وتُعْقَدُ لها ورشُ العمل ، لكني أردت هنا الإشارة الخاطفة لئلا يظن أن الدافعَ وراء المقال العزوفَ عن المعالجة ، وادعاءَ الكمال .

ورهان التنوير الضرب على وترين :

-دغدغة مشاعر الشباب حول غفلة الخطاب الشرعي المحافظ عن قضاياه الحقيقية ومشكلاته المعيشية والغوص في غياهب مشكلات القرون السالفة
-تشويه التدين المحافظ ووصمه بالتشدد الذي يأثم عليه فاعله ، وتقديم نموذج عصري للمتدين الحقيقي

سليمان بن ناصر السالم

[محمد البكر] [ 06/11/2010 الساعة 2:58 صباحاً]
لماذا أرفض مقالات نواف القديمي ؟
الأحد 24, أكتوبر 2010


عبد الوهَّاب بن عبد الله آل غظيف
لجينيات ـ أعترف أولاً بوجود قصور يحوجنا إلى نقد موضوعي نزيه ، يدفعنا نحو المحافظة على المكتسبات الشرعية التي بحوزتنا وزيادتها ومواكبة التحديات المعاصرة للدعوة الإسلامية ، نقد يهدف للتطوير لا للتبديل ، يرسخ المفاهيم الشرعية أمام طوفان العصر بأساليب عدة ، لا يرققها ويتنازل عنها بدعوى ضروريات العصر ومقتضياته ! وبعد هذا الاعتراف لا أحتاج لتأكيد قضية أنني لا أرفض مبدأ النقد من حيث الأصل .

ما كتبه نواف لا يمت للنقد الموضوعي بصلة ، بل كان نقداً متحاملاً موجهاً غايته الإساءة لمخالفيه وإسقاطهم وترويج مشروعه ، ولو بطريق افتقاد الموضوعية وكثير من التجني وسوء الفهم ، ولأقف بكم على شواهد من كلامه لتأكيد هذه المسألة :

· قام نواف بتوسيع نطاق مشروعه بطريقة غير موضوعية ، خلط فيها الحابل بالنابل ، ليجمع تحت وصف ( الإصلاحيين ) من لا يجتمع أصلا ، وأصحاب المشاريع المتضادة المتناقضة ، ليس ثمة رابط يربط هؤلاء الذين جمعهم سوى روابط غير موضوعية تتمثل في أن ثمة ممارسات نقدية طالتهم من قبل السلفيين ، فكأن الأخ نواف يستقوي بهم في مواجهة السلفية لما أدرك ضعف موقفه ، وما يبرر هذا التفسير أنه يجمعهم متى ما أراد ويفرقهم متى ما أراد ، حيناً يتحدث عن الإصلاح بالمعنى العام الذي يجمع الثوري بالسلطوي ، فإذا حان وقت المساءلة تبرم مما سوى الإصلاح السياسي كأحد المحسوبين عليه !

· كان موضوع الغلو من أبرز ما جيره القديمي للتجني على مخالفيه ، ورغم أنه التزم أن لا يستخدم معياره الخاص في تحديد الغلو وأن يتحاكم إلى الفقه السائد في مجتمعنا إلا أنه لم يفي بهذا الالتزام ، فلقد بدى جليا أنه يستخدم معياره الخاص في تحديد الغلو ، بل ويحاول تمرير مشروعية في ذهن القارئ للتفلت الذي في مشروعه كبديل عن الغلو الذي حاول نواف تضخيمه والنفخ فيه ، من النماذج التي ذكرها للغلو : فتوى الشيخ اللحيدان ، التي كانت في معرض الحديث عن ترويج الفساد الاعتقادي و الأخلاقي ، وكأسلوب بياني لتوضيح خطورة هذا الفساد ذكر الشيخ أن هذا الفساد قد يقتل صاحبه قضاء إذا لم يندفع فساده إلا بالقتل ، هذا الرأي الفقهي الذي عليه الجمهور هو ما يعمل به في محاكم المملكة ويقتل به تعزيرا كثير من المفسدين ، إلا أن نواف جعل هذا الرأي غلوا ، بل وطرحه بالصيغة الصحفية المتجنية التي كانت مدفوعة للنيل من الشيخ صالح آنذاك ( قتل ملاك القنوات ) لأجل أن الشيخ ذكر هذا الحكم للمفسد في سياق تقبيحه وتحذيره من فساد القنوات ! قل مثل ذلك في حديثه عن فتوى البراك التي ادعى أنها تكفير باللازم ، في حين أن نص الفتوى فيمن يستحل ( المحرمات القطعية ) لا الاختلاط ، فالشيخ قال ( ومن استحلها فهو كافر ) يعني المحرمات ، ولم يبن الحكم على استحلال الاختلاط ، وهو أسلوب – كنظيره في فتوى الشيخ صالح – يبين خطورة الأقوال وخطورة مآلاتها وما يمكن أن تصل إليه ، وكون استحلال المحرم القطعي من الكفر هو ما عليه علماء الإسلام ، وليس غلوا إلا في معيار الصحفيين في حملتهم على البراك ومن تأثر بهم ، قل مثله في فتوى يوسف الأحمد التي كانت متعلقة بالازدحام الشديد في الحرم – وهي نازلة معاصرة – التي تؤدي أحيانا إلى التصاق الرجال بالنساء ، ويظل رأي الشيخ محترما على أقل الأحوال إن لم يوافقه عليه المرء غير أني لا أفهم إدخال الغلو في السالفة إلا في سياق التجني ، كذلك مصطلح ( المنافقين ) الذي استخدمه الشيخ في وصف من يتمسك بترويج الاختلاط وحاول نواف التشغيب عليه بأنه يشمل علماء معاصرين من الخارج ... الخ في حين معلوم أن مراد الشيخ أولئك الصحفيين والكلام في سياق المواجهة معهم ، والكلام قد يكون من العموم الذي يراد به الخصوص وتخصصه سياقاته و ظروفه ولا يشترط أن يحترز فيه بالتنصيص على التخصيص ، ولا أطلب من نواف أن يوافقني في كل ذلك ، لكني أرفض أن يتجنى ليصنفه في دائرة الغلو ، فضلا عن كونه يعد السكوت عن إنكاره علامة غلو تيار كما يريد ! وكذلك تصويره لفتوى الفوزان أنها تحرم الصلاة خلف المخالف فقهيا ، في حين أن الشيخ حكم بالفسق وذكر مناط تحريم الصلاة أنه خلف الإمام الفاسق ، وكون الأخ نواف يرى أن الإمام ليس بفاسق إنما مخالف فقهيا فهو يختلف مع الشيخ في تصنيف واقعة معينة ، وليس من العدل أن يصور موقف الشيخ على أنه تحريم للصلاة خلف المخالف فقهيا .. وليس آخرا من النماذج : من جعل الخلاف في كشف الوجه مسألة عقدية ، وقد أضناني البحث عنه ، ويبقى المراد في بطن نواف ، ولا أدري متى صارت الموضوعية تقتضي نسبة الشواذ والفرديات غير المشهورة – على فرض وجودها – لخطاب عام ؟ وكثير هو التجني في الأمثلة التي ذكرها نواف كشواهد على الغلو .. ويكفي في إبطالها حديث المنطق ، حينما نتحدث عن حالة مسعورة من مهاجمة الدين والتضييق على النشاطات الدعوية بصورة لم يتوقعها أشد الناس تشاؤما حتى وصل الأمر لتعليم القرآن ، وغربة كثير من أحكام الدين ومفاهيمه ، والأخ نواف يتحدث عن الغلو ! حتى التعاطف مع الغلاة الذي كان ظاهرة في فترة ( مضت وانقضت ) لم يبق منه شيء لما واجههم السياسي مما يدل على عدم تجذره إنما هو أشبه بحالة احتقان دفع إليها الحرب على العالم الإسلامي والتعاطف مع قضاياه ، ولا زال نواف يتمسك بفقاعة الصابون تلك حتى بعد أن سكب الإناء بما فيه ، وفتحت على الشريعة أبواب التفلت و التغريب .

· في موضوع من يواجه العلمنة والتغريب : لا تحتاج لشيء سوى المنطق لتعرف أنهم السلفيون الذين هم الآن في مرمى حملات التغريبيين التشويهية في الإعلام وما يتلوها من قرارات سياسية بفعل نفوذهم ، عند نواف ستحتاج لشيء آخر سوى المنطق ، ستحتاج لقانون المماحكة ، كيف تواجهون التغريب ونحن لا نواجهه ؟ على غرار كيف يكون فيهم نبي وحنا لا ؟ وقد أجهد نواف نفسه في محاولة تزوير الصورة وتقديمها على أن التنويريين حصن أشد حصانة من السلفيين في مواجهة التغريب ، وأن السلفيين يسهمون فيه بحسن نية ، كل هذا هراء تكلف نواف في محاولة إثباته ، والعجيب إقحامه مسألة فقهية بحتة ( توسعة المسعى ) التي ينظر لها في سياق المواجهة بين الفقيه والسياسي ، لكنه أدرجها في سياق مواجهة التغريب لا أدري تحت أي ذريعة ؟

وإن كان القديمي قدم نقدا محترما ومشكورا لعملية مواجهة التغريب التي ينتهجها السلفيون – مع بعض التحامل – فإنه لم ينصف حينما يصور مواجهة التنويريين بصورة الأجدى ، لأنها تدور في النهاية حول معنى أن (التغريب قوة ستفرض نفسها ولا بد من التأثر بها وتقديم بعض التنازلات ) كما يقدر السلفيون ، أضف إلى ذلك أن الانحرافات الفكرية لا تقف على التغريب هناك الانحرافات العقدية المتعددة التي يقف منها التنويريون موقف المبرر والمشجع لها عبر احتقار دور التأصيل العقدي ودور رجاله ، وعبر ضخ مفاهيم المساواة وحريات التعبير ( لكل الأطياف المنحرفة ) والتخلص من حد الردة ، ومن السلطة السياسية في مواجهة الانحراف الفكري .. كنوع من التغريب .. ! في غيرها من مفاهيم غربية متسربة لخطاب التنويريين كحكم الشعب في الجانب التشريعي ويعدها نواف من مواجهة التغريب !!

· في موضوع الأساليب المعاصرة في مواجهة الانحراف الفكري ، يقدم نواف صورة مبسطة وسطحية حينما يتحدث عن تطور العصر والاتصالات وأن الحجر لم يعد يجدي .. الخ وليست هذه حقيقة المشكلة بين التنويريين والسلفيين ، المشكلة أنه ظهر من يتحدث عن مبدأ الحجر لا على أنه غير مجدي واقعا بل على أنه ظلم ، وأن من حق الكل أن يعبر عن رأيه ، في عملية لا تعبر عن استسلام للأمر الواقع ، بل عن رضا وتكريس له .. وهنا دارت رحى المعركة ، ولم تدر حول الأساليب الأكثر فاعلية في مواجهة الانحراف الفكري !

· خطر الابتعاث ومحصلاته .. اعتمد عليها نواف كثيرا وأنها سببت كثيرا من المشاكل التي ليس بمقدور السلفيين مواجهتها ، حسناً : الرأي السلفي العام كان رافضا لمسألة الابتعاث خصوصا لصغار السن بتلك الأعداد الغفيرة ، فما موقف التنويريين منه ؟ سؤال لم يجب عليه نواف ، أتصور لأن الجواب سيحرجه كثيرا وسيمنعه عن قول كثير مما قال في هذه المسألة !

· كثير مما ذكره نواف عبارة عن تجارب وانطباعات شخصية شيد عليها مباني لمحاكمة الخطاب السلفي ، وهذه طريقة غير علمية ولا موضوعية ، بل قد تصل لحد الطرافة أحياناً ، فمتى صنع السلفيون ثنائية التدين الكامل أو النفاق ؟ ألأجل صاحبك الذي في الثانوية ؟ وأنا أقطع أنه ليس صاحبك فقط بل ولا عشرة فقط لكن ما دخل الخطاب السلفي الذي يقوم على زيادة الإيمان ونقصانه في هذه الفرديات ؟

أما المثال الطريف فعلا ، فهي قصة البريطاني الذي يحب الموسيقى ويريد الإسلام ، يريد نواف أن نوفر له قول بإباحة الموسيقى لنضمن بعدنا عن الغلو و مرونتنا في حماية الناس ، تسطيح ما بعده تسطيح ، لأني أعرف ونواف يعرف أن أكثر المسلمين اليوم يسمعون الموسيقى ، فهل يظن أن السلفيين جعلوها عائقا أمام الدخول في الإسلام ؟ اذهب إلى ذلك البريطاني وأخبره أن يدخل في الإسلام ولو كان يريد الزنا لا الموسيقى فحسب – كما سمعت في تعليق طريف – أما إذا كنت تعتقد أن هذا البريطاني سيكون دليلا فقهيا على جواز الموسيقى فماذا ستصنع إذا جاءك آخر لا يفيق من الخمر ويحب الإسلام ؟ هل سيحتاج هو الآخر إلى مرونة فقهية ؟

· نواف لا زال يردد كلاما شنيعا قيل في حق القاسم منشورا في النت ، منذ أشهر وهو يردد هذا الكلام ، بل أخبرني فاضل أنه استشهد به في مناسبة قبل سنتين ومنذ ذلك الوقت لم يجد نواف كلاما آخر قيل في القاسم ، ومرة أخرى : أحسن الله عزاءها موضوعية تقتضي تعميم الشواذ والفرديات على خطاب عام .

· في مقاله الأخير عن أهل الأهواء ، بنى نواف مقاله على تصور خاطئ للمراد من هذه الكلمة ، حيث جعل الهوى رديف لأحد قسميه وصرفه لهوى الشهوة ، وبناء عليه جعل معرفة أهل الأهواء من الغيب الذي لا يعلمه إلا الله ، والحق أن الهوى يراد به كل قوة مؤثرة على قبول الحق سواء كانت من جهة الشهوة أو الشبهة ، ويمكن معرفة أهل الأهواء من خلال معرفة الحق القطعي الذي يحصل من الدليل فما خالفه فهوى هوى بلا شك ، إما شبهة وإما شهوة ، ولا طريق ثالث ، وهذا يكون في ماهو مقطوع به ، وأهل الأهواء هم المخالفين في هذا الباب مهما صغرت مخالفتهم ، ولذلك أثر عن الصحابة قولهم : ( جاهدوا أهل الأهواء بالسنن فإن القرآن حمال أوجه ) وهذا يفسر أن أهل الأهواء قد ينطلقون من الأدلة مع ما عندهم من قناعات تشوش على استفادتهم الحقيقية من الأدلة ، ولذا يضطر بعضهم إلى تضعيف الصحيح من الحديث لأنه يخالف ما عنده أو يتأوله أو يحرفه .. والمراد : أن التصور الخاطئ للمفردة ثم محاسبة الخطاب السلفي بناء على هذا التصور ينافي الموضوعية والإنصاف .

· تحدث نواف عن الليبراليين وأنهم مستفزون من التيار التنويري ، والواقع أنه يصادر حقيقة هي من نصيب السلفيين الذين لا تهدأ حملة صحفية قذرة من الحملات الموجهة لرمز سلفي إلا تلتها حملة أخرى ، ونصيب التنويريين هو لا شيء من الحملات إن لم يكن بعض عبارات الثناء المسربة ، بل قدم التنويريون خدمة بليغة حينما روجوا تشويهات الليبرالليين القذرة لكلام رموز السلفيين ومواقفهم ، ونقلت هذه التشويهات إلى ساحة الفكر والثقافة عبر ما تحملته أقلام بعض التنويريين ، عوضا عن تقاطع المشروع الليبرالي مع التنوير في ضمان الحرية لكل مخالف لشريعة الله .

هذه وقفات سريعة ومختصرة جدا ، عبارة عن ملاحظات على نقد غير منصف ، من قبل الأخ نواف .. أعبر فيها عن رفضي لهذا النقد ، وإن كنت سأستفيد منه !

عبد الوهاب آل غظيف - الرياض

[محمد البكر] [ 06/11/2010 الساعة 2:58 صباحاً]
قراءة بين سطور كرة الثلج التنويرية
09-10-2010

الحقيقة أني أنظر بإجلال واحترام وتقدير للنخب السلفية التي تحرص على مد جسور التواصل مع الإخوة التنويريين ومحاولة احتواء خطابهم الثائر, ولكن هذا لا يمنع أن يقوم بعض التلاميذ من تجلية ما يظنه صواباً تجاه خط فكري، يسهم ولو بحسن نية في إحداث ثقوب في السفينة السلفية, يبقى أن أختم بالقول إن ما كتبته موجه بالدرجة لعموم الشباب السلفي، وهم الدائرة الواسعة من المجتمع المحلي, فكاتب المقال لم يرد بمقاله الرد التفصيلي على هذا الشخص أو ذاك, وإنما تقديم قراءة شخصية لما يسمى بتيار "التنوير الإسلامي"..

بقلم عبد الرحيم التميمي

يحتاج المتابع للحراك الفكري المحلي في السعودية إلى نفس طويل ومتابعة دقيقة للتحولات الفكرية للعديد من الأشخاص والتيارات، ليحصل على رؤية أقرب للصواب في التشخيص, فلو قال قائل إن غالبية التيارات الفاعلة في الوسط السعودي لا تكشف عن أجندتها بشكل صريح لاعتبارات سياسية أو اجتماعية أو مذهبية, لما أبعد النجعة، إلا أن طبيعة الأحداث وتجددها وتنوعها يسهم ولاشك في إزالة تلك الغلالة التي كانت تلقي بظلالها على مصداقية الخطاب الإعلامي لذلك التيار أو تلك الجهة.

"التيار التنويري" الذي برز إعلامياً بعد 11 سبتمبر وفي وسط حلقة محكمة من السباع الضارية حول المائدة السلفية, ظهر له وللوهلة الأولى أن بإمكانه استثمار تلك الأجواء المشحونة في "نقد الفكر السلفي وتفكيك بنيته التقليدية"، وأن الأولوية الإصلاحية التنويرية تقتضي وضع الجسد السلفي على المشرحة قبل الاستبداد, وصرح بشكل واضح لا مداورة فيه أنه امتداد لمدرسة "الإسلام المستنير" ورموزها الفكرية، كمحمد عمارة ومحمد سليم العوا وفهمي هويدي, مع العلم بأن هؤلاء المفكرين لا يزعمون ابتداء انتسابهم للسلفية, وليس ثمة عالم سلفي معاصر يعتبرهم سلفيين كذلك.

طوال تسع سنوات من الضجيج الإعلامي عبر الفضائيات وشبكة المعلومات لم يفلح التيار في تقديم "مؤلفات فكرية رصينة" تسوق لأفكاره بوضوح, ولم ينجح كذلك في استيلاد الرمز الفكري أو الشرعي أو الدعوي "صاحب الكايرزما"، الذي بإمكانه أن يستقطب الأتباع.

ويمكن أن نقارن هنا بين شخصية سلفية برزت في الساحة حديثاً، كإبراهيم السكران ومدى ثقلها في الساحة الفكرية حتى لدى المناوئين لفكره، وبين عجز التيار التنويري عن إفراز أنموذج مقارب أو مواز له وانجذاب الكثيرين إلى أطروحاته وإن اختلفوا معها, وأنا هنا أتحدث من باب التحليل للواقع ولا أبحث في أسباب بروز هذا وخفوت ذاك.

غياب الرمز التنويري "صاحب الكاريزما"، أفرز محاولة الالتصاق ببعض الرموز العلمية والفكرية التي لا ترتبط معه إلا في خلافها مع التيار السلفي السائد في المجال السياسي أو الفقهي, ومحاولة تشكيل مجموعة غير متجانسة كتيار إصلاحي ناهض وهذا ضرب من التسويق الثقافي الساذج, فهل ثمة مراقب موضوعي يمكن أن يجعل الشيخ "حاتم العوني"، عضو مجلس الشورى السعودي، مع الدكتور حاكم المطيري، صاحب كتابي "الحرية أو الطوفان" و"تجريد الطغيان" ... ضمن تيار إصلاحي واحد!! الحقيقة أنه ليس ثمة إطار مشترك يستحق الذكر هنا سوى خلاف هاتين الشخصيتين العلميتين مع التيار السلفي السائد في مجموعة من المسائل والقضايا التي لا يربطها رابط.

ثمة عامل آخر أسهم في بروز النبرة الجديدة للتنويريين، الادعاء بأنهم جزء من التيار السلفي، إذ يعتبرون أنفسهم أبناء المدرسة السلفية، وفي تقديري أن هذا ضرب من "التقية الفكرية" التي يمارسها بعض هؤلاء بقصد تجنيد أكبر عدد من الأتباع بين الشباب السلفي أو قطع "تذكرة قبول" في الوسط السلفي، سيما وهم يضربون على وتر بعض الأخطاء الموجودة فعلا، ولكنهم يوظفونها للتسويق لرؤيتهم الخاصة في الإصلاح, وليس في كلامي هنا طعناً في النيات، وإنما هو ربط منطقي لعاملين:

الأول: أن التنويريين أعلنوا أجندتهم واضحة جلية قبل سنوات، وأنهم امتداد لمدرسة فكرية مصرية عقلانية لها رموزها وتراثها, ولم يعلنوا قط تراجعهم أو تحفظهم على تلك الأجندة.

الثاني: أن رؤيتهم لمفاهيم "الحرية" و"الديمقراطية" و"النهضة"، تتعارض مع أصول المنهج السلفي وقواعده.

المتأمل لذلك الضجيج التنويري على الشبكة العنكبوتية حول الحرية والنهضة ومناوءة الاستبداد وطبيعة الأفراد المتأثرين به، يجد غلبة الحماس وحداثة التجربة وضعف التأصيل وكثرة الحديث وقلة الفاعلية في الميدان, ومعضلة الاستبداد العربي تقاصرت دون حلها همم رجال كبار ونخب عريقة وتيارات عريضة، فضلاً عن تلك "الارستقراطية الفكرية" التي يرفل فيها المشروع التنويري, فأصغر أفران الاستبداد كافية لإذابة كرة الثلج التنويرية خلال ثواني معدودة, وليس الحديث هنا عن الأشخاص، فهذا "سقوط أخلاقي" لا يرتضيه المرء لنفسه, وإنما الحديث عن أصل الفكرة والمشروع.

الحقيقة أني أنظر بإجلال واحترام وتقدير للنخب السلفية التي تحرص على مد جسور التواصل مع الإخوة التنويريين، ومحاولة احتواء خطابهم الثائر, ولكن هذا لا يمنع أن يقوم بعض التلاميذ من تجلية ما يظنه صواباً تجاه خط فكري، يسهم ولو بحسن نية في إحداث ثقوب في السفينة السلفية, يبقى أن أختم بالقول إن ما كتبته موجه بالدرجة لعموم الشباب السلفي، وهم الدائرة الواسعة من المجتمع المحلي, فكاتب المقال لم يرد بمقاله الرد التفصيلي على هذا الشخص أو ذاك, وإنما تقديم قراءة شخصية لما يسمى بتيار "التنوير الإسلامي".

 

القائمة الرئيسية

جديد مكتبة الصور

جديد مكتبة البطاقات

جديد مكتبة الأخبار

جديد مكتبة الجوال


جديد مكتبة الصوتيات


Powered byبرنامج الموقع الشامل انفنتيv2.0.5
Copyright © dciwww.com
Copyright © 2008 www.alqodhat.com - All rights reserved


الصور | المقالات | البطاقات | الجوال | الأخبار | الفيديو | الصوتيات | المنتديات | الرئيسية